العدد 1634
الجمعة 05 أبريل 2013
الساحرة! سمر المقرن
سمر المقرن
الجمعة 05 أبريل 2013

عرضت إحدى قنوات الفضائية منذ أيام فلماً سينمائيا تدور قصته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في القرن الثامن عشر. والقصة تقول إن فتيات مراهقات خرجن للبرية مع امرأة سوداء البشرة تعتبر من الرقيق المستعبد في ذلك الوقت، وإن المرأة مارست بعض طقوس الرقص والتظاهر بأنها ساحرة وأنها ستحقق لكل فتاة ما تحلم به. فصارت كل فتاة تذكر اسم الرجل الذي تريد أن تتزوج منه من أبناء القرية (سيلم). إلا أن هذا العبث لم يمر بسلام فقد رآهن والد (أبيغيل) وهي واحدة من بين تلك الفتيات، فعاقب ابنته وأخبر قسيس القرية. فما كان من القسيس إلا أن قال: إن الشيطان قد حل بالقرية ولا بد من تدخل الكنيسة! “فأرسلت الكنيسة الكبرى مفتشين دينيين للتحقق من الموضوع. فلما استشعرت بطلة القصة وهي إحدى تلك الفتيات الخطر، ألقت اللوم على المرأة السوداء وقالت إنها قد سحرتها وأجبرتها على اقتراف أفعال مشينة، فما كان من تلك اللجنة إلا أن أعدمت المرأة السوداء والتي كانت الحقيقة هي عكس ما قالته الفتاة، فالبطلة (أبيغيل) هي من كانت تجبرها على التظاهر بأنها ساحرة”.
(أبيغيل) كانت فتاة شريرة، وهي تحب “جون بروكتر” رجل متزوج، وعلاوة على ذلك فهي تشعر بالخطر الآن، فما كان منها إلا أن سيطرت بقوة شخصيتها على كل الفتيات وأصبحن يكررن ما تقوله، وهذا كله قد قادها لتدمير القرية بأكملها بتهمة ممارسة السحر.
بدأت ورفيقاتها بالقول إن الشيطان قد حل بهن ثم خرج منهن لكنهن الآن يملكن قوة روحية تستطيع أن تميّز الأشرار الذين يمارسون السحر في القرية وكل من له اتصال ما بالشيطان.
وهكذا تحول كل من تكرهه أبيغيل، لضحية توضع رقبته في المشنقة بتهمة السحر، ومن ضمن هؤلاء أناس أبرياء وشيوخ حتى وصل الأمر لجون بروكتر وزوجته، فاتهمتها بأنها ساحرة وقُدمت للمحاكمة. كما إن حمى الاتهام بالسحر قد سرى في القرية ولم تعد قاصرة على أصابع أبيغيل، فمن صادف قدومه اشتعال نار اتهم بأنه ساحر يتعامل مع الشيطان، وهكذا أصيبت القرية بلعنة من الجنون. الظريف أن بطل القصة عندما توجه له تهمة الهرطقة وأنه لا يؤمن أصلا بوجود السحرة والساحرات قال: كيف لا أؤمن بالسحر وهذا كله مذكور في كتبنا المقدسة؟! إلا أن هذا الجواب لم يشفع له ودُنّس اسم الرجل بهذه التهمة الخطيرة.
هذا الجنون الذي تابعته في هذه القصة على مدى ساعتين، والذي ربما مارس سرد المأساة بنوع من الهزل والظرف، اكتب اليوم عنه لأنني أرى تشابهًا بين قصتنا وقصتهم. فكلنا متهمون، ومن يتهمنا قد لا يكون صادقًا بريئًا في اتهامه، فكلنا يعلم أن من يرمي التهم يعلم من نفسه أنه يتهم الآخر بتهم كبيرة، لا يدري هو– نفسه - هل هي صحيحة أم لا. ولا يدري هو ما هي دوافع نفسه لاتهام الآخرين بهذه التهم. ولا يدري أبناء المجتمع الذين يكررون الاتهامات باستعجال كبير ما مدى انطباق تلك التهم على المتهمين. ولا ندري متى ستنتهي هذه الدراما التي نعيشها كل يوم فهي (ولا في الأفلام!).
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .