عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتداول فيلم قصير بلغات عدّة تحت عنوان بالغ الإثارة هو “اثنان زائد اثنان يساوي خمسة”. وتتلخص قصة الفيلم الذي لا تتجاوز مدته الزمنية سبع دقائق في انّ معلم رياضيات يكتب على اللوحة معادلة صادمة مفادها انّ اثنان زائد اثنان يساوي خمسة! وما انّ يبادر الطلاب بتصحيح الخطأ يأتي الردّ من المعلم عنيفاً ومخالفا لما استقر في اذهانهم. المعلم لا يكتفي بتأكيد إجابته الخاطئة فحسب بل انه يعمد الى ممارسة كل اشكال الارهاب عليهم بأنّ هذه هي الحقيقة وعليهم تقبّلها دون ابداء اي شكل من الاعتراض أو حتى مجرد الشك! وفي ظلّ الممارسات الاستفزازية للمعلم من تعنت وإكراه يتقبل جميع الطلاب طرح المعلم على مضض باستثناء طالب واحد فقط يقف معترضا ورافضا تزوير الحقيقة والمنطق ومعلنا بشجاعة منقطعة المثال أنّ اثنان زائد اثنان يساوي أربعة وهذا بالطبع يدعو المعلم الى الاستعانة بأحد الرجال الاشدّاء لإقناعه بالعدول عن موقفه غير أنّ الاخير يصر على الاجابة الصحيحة الامر الّذي يجعله يدفع ثمنا كبيرا جدا وهو حياته لموقفه الشجاع.
للوهلة الأولى ينصرف ذهن المشاهد الى انّ دلالة الفيلم تحيل غالباً الى الواقع العربيّ السياسيّ نظرا للممارسات العربية الاستبدادية إزاء من يتجرأ بإعلان الحقيقة بيد أنّ المتأمل بعمق لقصة الفيلم فإنّه يتوصل دون عناء الى انّ جميع السلطات مستهدفة من الفيلم. ونعني بها كل السلطات التي تمارس البطش بالفرد العربيّ كالدينية والاجتماعية والتربوية وحتى داخل الأسرة الواحدة. فالإنسان العربيّ يعيش تحت وطأة سلطات متعددة وليس سلطة واحدة.
التسلط التربويّ هو الأخطر كما نتصوره وهو القضية التي اثارت جدالات فكرية بين رجالات التربية وفي ضوئها نمت العديد من النظريات التربوية التي تبحث في اهميتها وخطورتها حياة الفرد مستقبلاً. الذي لا خلاف حوله انّ التسلط والإكراه الممارس في المدارس يقابل دوما بالرفض المطلق نتيجة لما يفضي اليه من إنتاج شخصيات مضطربة فكريا وسلوكيا فضلا عن عدم قدرتها على التفكير الحر ناهيك عن قدرتها على الابداع والابتكار. ويذهب البعض من اساتذة التربية الى انّ التسلط التربوي هو صورة من صور التسلط الاجتماعي والنظام الاجتماعي القائم برمته.
وعلى صلة بموضوعنا ثمة أسئلة تثار اليوم من قبل علماء الاجتماع العرب مفادها التالي: هل تنطلق التنشئة الاجتماعية الاسرية على اسس التسلط والاكراه؟ وهل تتبنى المدارس في العالم العربيّ اساليب ديمقراطية في العمل التربوي؟ وتأتي الاجابات حاسمة وقاطعة بأنّ ثقافتنا العربية ليست الاستثناء دون ثقافات العالم التي تعتمد التسلط في العملية التربوية. وكما يؤكد غير باحث عربيّ أنّ العديد من الثقافات في العالم تعتمد صيرورة العنف في العمل التربوي لكن بنسب متفاوتة بين بلد وآخر.
أما التسلط الآخر والذي هو في رأيي لا يقل خطرا عما يمارس في المدارس فذاك الذي يمارس داخل العائلة العربية. اذ ينشأ الفرد على تلّقي الأوامر من كبير العائلة وما على البقية الاّ الطاعة العمياء. انّ عليهم التحمل والصبر دون مناقشة بما عرف في ثقافتنا بالسلطة الأبوية. ويشير في هذا المعنى الباحث السيسيولوجي العربي هشام شرابي الى انّ “النسق الأبوي البطريركي منطق الوجود الاجتماعي العربيّ ونسيجه وذلك بما تنطوي عليه هذه البنية البطريركية من تسلط العقل الواحد والرأي الواحد في اطار المجتع والاسرة”.
الخلاصة انّ ثقافة القهر والتسلط تضرب بجذورها في مؤسساتنا التربوية والاجتماعية والجميع يخضع لها والقمع يهيمن على ثقافتنا العربية وإذا اردنا للأجيال العربية القادمة التقدم فإنّ علينا أن نبدأ اولا من اهم مؤسستين تربويتين “الأسرة والمدرسة”.