العدد 2181
السبت 04 أكتوبر 2014
الحج للأثرياء فقط محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 04 أكتوبر 2014

ما إن يقترب موسم الحج الأكبر حتى يتوق المسلمون إلى تأدية هذا المنسك العظيم والتمتع برؤية بيته الحرام تلبية لنداء الباري جلّ وعلا كما قال في محكم كتابه العزيز “ولله على الناس حجّ البيت من استطاع اليه سبيلا” -آل عمران، لكنّ في ظل موجة ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة التي بلغت هذا العام ذروتها فإنّ الحجّ أصبح للطبقة الميسورة الحال القادرة على دفع التكاليف التي ناهزت الألفي دينار للفرد. ومن الطبيعي أنّ المبلغ المذكور سيجعل الفئات الأصغر غير قادرة على أداء الفريضة لأنه ليس بوسعها توفير مثل هذا المبلغ وبالتالي إجهاض حلم الكثير من الراغبين في تأدية هذا المنسك العظيم رغم الشوق المتأجج بداخلهم.
إنّ جوهر المشكلة أنّ اصحاب حملات الحج كان فرضهم لهذا السعر هو استغلال غير مبرر على الإطلاق مما جعل الذهاب الى الحج ضربا من الخيال لدى البسطاء أي اصحاب الدخل المحدود. أما اذا كان هناك أكثر من شخص في العائلة المتوسطة الدخل ينوي الحج فإنّ المشكلة ستكون مضاعفة وهو ما يعزز القناعة بأنّ الحج لطبقة واحدة أي للأثرياء فقط.
أصحاب حملات الحج يتذرعون تارة بأنّ الإيجارات في المدن المقدسة ونعني مكة المكرمة والمدينة المنورة قد شهدت ارتفاعات غير مسبوقة في الأعوام الماضية الأمر الذي دفع بهؤلاء الى رفع الأسعار وهذا غير مقنع على الاطلاق وأحيانا أخرى بمستوى ما يقومون به من خدمات. ولا يبدو أنّ الأعوام القادمة ستشهد تقليلا في التكاليف فالأسعار المفروضة من هؤلاء في ارتفاع مضطرد تحت ذرائع وتبريرات واهية.
وهنا لابدّ من وضع الضوابط الكفيلة بالحد من هذا الاستغلال والنداء موجه الى وزارة العدل والشؤون الإسلامية بصفتها الجهة المناط بها مراقبة شؤون الحج بألاّ ترتهن لمزاجية المستغلين من القائمين على الحج لأنّ المسألة باتت موضع جدل لدى الرأي العام. لابدّ من تدخل سريع من الوزارة لتحديد الأسعار والأهم تحديد هامش معقول للربح للمقاولين.
إنّ المتأمل في أبعاد وفلسفة الحج يقف على متناقضات صارخة بين ما يدعو اليه من قيم عظيمة وبين تلك الممارسات التي تقدم عليها فئة ممن يزعمون الانتماء الى الإسلام. أما المفارقات التي تبعث على الدهشة فإنّ هناك من يرى أن التجرد من النوازع الدنيوية وقفاً على ايام الحج دون سواها من بقية ايام العام وهو ما ينم عن جهل فاضح لديهم. إنّ هؤلاء للأسف لم يستوعبوا من الحج الاّ طقوسه الخارجية ليس الاّ والأمر ذاته ينطبق على الفهم القاصر لبقية الشعائر الأخرى.
ومما يروى عن الإمام عليّ بن الحسين السجاد أنه لما رجع من الحج استقبله أحد الحجاج ويدعى الشبلي فقال له الإمام أحججت يا شبلي؟ قال نعم يا سيدي. قال له الإمام حين نزلت الميقات هل نويت أنّك خلعت ثياب المعصية ولبست ثوب الطاعة؟ وحين تجردت من ثيابك نويت أنك تجردت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟ قال لا. ثم قال له حين اغتسلت نويت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟ وحين تنظفت وأحرمت وعقدت الحج نويت أنك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟ قال لا. ثم سأله الإمام حين دخلت الحرم نويت أنّك حرّمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإسلام؟ قال لا. وكان الشبلي بعد كل سؤال يقول لا. قال له الإمام ارجع فإنّك لم تحج.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية