العدد 2058
الثلاثاء 03 يونيو 2014
الكبار يفرضون آراءهم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 03 يونيو 2014


 الكبار يفرضون آراءهم على الشباب بل إنّهم يتحدثون عن الشباب وبالنيابة عنهم كما يتوقعون من وجهة نظرهم، والأغرب أنّ الفئة الشبابية لا يتاح لها أن تظهر ذاتها على الشاشات. هذه الحقائق هي جزء من معاناتهم كما يشير أستاذ الصحة النفسية والإرشاد الأسري الدكتور مصطفى حجازي. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل إنّ الكبار يميلون إلى التضخيم في كل ما يخص الشباب وليس إلى معطيات موضوعية قائمة على دراسات موثوقة والمثال هنا ظاهرة العنف لديهم والإدمان على الإنترنت إضافة إلى الأخطار الخلقية والقيمية التي تشكلها الفضائيات عليهم.
 الذي هو ثابت وليس بحاجة إلى التأكيد عليه أنّ الشباب يعانون الفراغ وغياب الفرص أمامهم والسؤال هل هم السبب في المشكلة أم أنها مشكلة المجتمع الذي لم يهيئ المجال لهم؟ غالباً ما تلقي اللائمة عليهم دون أن يحمّل المسؤولون أنفسهم أي شكل من التبعات. يبدو لي ليس هناك أسهل من إطلاق الاتهامات والنأي بالنفس عن أي نوع من المسؤولية. الشباب تفترسهم ثقافة الاستهلاك والظاهرة ليست خاصة بهم وحدهم بل يشاركهم فيها الكبار سواءً الذين يملكون أو من لا يملكون والتصدي لها ليس بالأمر السهل كما يتصور الكثيرون، بل تتطلب علاجاً شاملا لأسلوب الحياة برمته وجهدا خارقاً لسبب لم يعد غائبا وهو أنّ الظاهرة تحولت إلى إدمان.
 إنّ المتأمل لما يقدم للشباب من برامج يلحظ أنّ ثمة نقصا فادحا يكتنفها على صعيد الكم والكيف، وهي قضية تحتاج للبحث الجاد. والبعض من هذه البرامج إذا وجدت فإنها لا تطرح قضاياه واحتياجاته وتحدياته وهمومه ولا تشبع ميوله وتطلعاته ولا تخاطب أشواقه بل إنّ الكبار هم من يخططون وهم من ينفذون.
 أعتقد أنّ الذي يواجه هؤلاء سؤال هو في غاية الأهمية يتمثل في التالي: مستقبلكم كيف تريدونه؟ هل أنتم من تصنعونه أم تدعون الآخرين لصياغته بالنيابة عنكم؟ أي التخطيط والتنفيذ بعيدا عن تصوركم والاقتراب من همومكم؟ الروائي الكبير جورج اورويل قال ذات مرة إنّ لدى الإنسان القدرة على تصحيح مسار حياته من خلال السلوك السهل وهو ألا يدع الآخرين أن يفكروا عنه بالنيابة.
 بالنسبة للشأن العام فإنّ هذه الشريحة تعاني تهميشاً وإقصاء عن المشاركة في الشأن العام رغم ما تمتلكه من علم ووعي. الاستهانة بقدراتهم هو ما أفضى إلى إبعادهم عن المجال العام وبالتالي لم يبق أمامهم سوى الفراغ أو السقوط في وسائل التواصل الاجتماعيّ بحثا عن التسلية حينا أو المعلومات حينا آخر أو إشباع هواياتهم في الرياضة والسيارات للشباب أو الموضة والأزياء للنساء، أما التحصيل الدراسي فإنه يأتي في ذيل اهتماماتهم.
 ما أردت التنويه بشأنه هنا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرا مطلقا كما يحلو للبعض تصويره رغم الإقرار ما تتضمنه من أخطار من إباحية وتحريض على العنف، لكنّ الواقع أصبح فضاء يجدون من خلاله التعرف على العالم والثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية وغيرها مما يضيق به المجال هنا.
 القلق على الهوية هي الشكوى التي لا يراد لها أن تنتهي. وهو قلق نرى أنه مشروع وواقعي ويلامس واحدة من معضلات الأمّة. الباحث حجازي يؤكدّ كما الآخرون قبله من المشتغلين في هذا الحقل الاجتماعيّ أنّ الهوية الذاتية هي الأكثر تعرضاً للتحديات والتهديد والمشكلة كما شخصها تكمن في الخروج من المجتمعات المستقرة ذات الأدوار المحددة سلفاً إلى مجتمعات مفتوحة ومتحولة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .