من يصدّق أنّ تغريدة واحدة من بضع كلمات أشعلت الفرح في نفس كسرتها الوحدة والألم. والقصّة - أنقلها بتصّرف - كما بثتها الوكالات قبل أيام قليلة تتلخص في أنّ شاباً من المملكة العربية السعودية الشقيقة مصاب بالشلل ويعاني آلام المرض والوحدة ونسيان الأهل له داخل مستشفى الملك خالد الجامعيّ بالرياض. تلقى سيلاً من المشاعر وردود الأفعال الايجابية. فلم يعرف إبراهيم وهذا هو اسمه صاحب الأربعة والعشرين ربيعاً والذي اصابه الشلل نتيجة إصابة أنيس له سوى ردائه الأبيض وسريره والأجهزة التي تحيط به. ليس ثمة زائر يبدد وحشته الاَ أصوات زائري مجاوريه في الغرفة منذ ثلاثة اشهر. وجسده ينز بالالم المضاعف ألم المرض من جهة وألم الوحدة القاسية من الجهة الثانية.
فبعد أن أصبح طريحا للفراش نتيجة للشلل تخلىّ عنه جميع معارفه بمن فيهم المقربون منه وليس من يخفف عنه وحدته سوى دموعه وأخته التي لا يزال قلبها ينبض بالخير تزوره كل جمعه وكان ينتظر قدومها بفارغ الصبر. وقرر إبراهيم أن يبث شكواه عبر الشبكة العنكبوتية تويتر علّه يجد من يستمع اليه ويرق قلبه لمأساته ويشعر بمدى الألم الذي يكتويه ليلا ونهار.
وقرر ان يعبّر عن ألمه بكلمات بسيطة اختزلت كل المرارة التي تمزق كيانه. وما هي الاّ بضع ساعات فقط حتى تحول جناحه رقم (21) غرفة (3) الى صالة استقبال للوفود الآتية الى زيارته..
واطلق تغريداته واحدة تلو الأخرى يروي خلالها محنته القاسية ملتمسا من زواره بالدعاء له بالشفاء كما قال “بقي لي سنة ونصف مشلولا بمستشفى الملك خالد” أتمنى ممن يعرفني ومن لا يعرفني أن يزورني حتى أبوي واخواني ما عادوا يزورونني تخلوا عني منذ ثلاثة اشهر”.. وبعد ساعة توافد الى غرفته المئات من ذوي القلوب الخيرة من جميع الجنسيات وكافة الأطياف حتى ضاق المستشفى بهم.. “نحن اقاربك ولن نقطعك يا إبراهيم.”
ليست الدعوات فقط ما كانت تردده شفاه زواره بل إنهم فتحوا باب التبرعات لعلاجه وتقديم العون له. وهو مشهد أرى انّه يستعصي على الوصف. وانهالت المساعدات من كافة الفئات. لقد كنا نظن أن قلوب البشر تحجرت في هذا الزمن حيث لم يعد أحد يشعر بألم الآخر فاذا بنا نجد الآلاف يهرعون لإنجاد إنسان لا تربطهم به من علاقة سوى المواطنة والإنسانية.
وهو تجسيد رائع لمبادئ الإسلام العظيمة كما في قول رسولنا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً”.
الذي أدهشني في مأساة الشاب إبراهيم أنّ بين من توافدوا لزيارته فئة من المشتغلين في فنّ التمثيل كالفنان الرائع فايز المالكي وآخرون، في واقعة تبرهن وتوضح الأدوار الممكن النهوض بها تجاه فئات من المجتمع تتمثل بإدخال البهجة في قلوبهم.
الذي نستشفه من هذا الموقف الإنساني النبيل انّ مهمة الفنان ورسالته لا تنحصر في الفنّ وحده بل تمتد الى جميع الجوانب الانسانية.
وتلك بالطبع جوهر الرسالة العظيمة التي يجب أن يحملها كافة الفنانين. بل مهمة كافة الشرائح وأعضاء المجتمع وجزء من واجبهم الإنساني نظرا لما يتمتعون به من شهرة ومكانة في قلوب محبيهم.
والخلاصة فانّ الذي نستطيع قوله هنا بل نؤكده أنّ الدنيا لا تزال بخير.. والحادثة المذكورة ليست الاّ مجرد مثال واحد بين الآلاف من نماذج العطاء الإنساني الخيّر.