العدد 2051
الثلاثاء 27 مايو 2014
المتلاعبون بالمال العام محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 27 مايو 2014

 السؤال المحيّر الذي يدور في ذهن أي مواطن تلقاه مصادفة في أي مكان هو التالي متى يقبض على لصوص المال العام؟ هؤلاء الذين أساءوا استعمال السلطة وأثروا على حساب البسطاء حتى انتفخت جيوبهم وتضخمت ارصدتهم. وما كشف عنه ديوان الرقابة المالية على مدى الثمان سنوات الماضية من تعد صارخ على المال العام وحقوق المواطن يستلزم تعريتهم أمام الرأي العام.
 القانون الذي أصدره المجلس النيابيّ بإقرار الذمّة المالية اشاع البهجة في نفوس المواطنين واستشعروا أنّ مساءلة هؤلاء وتقديمهم الى محاكم عادلة ونزيهة قاب قوسين أو أدنى بيد أنّ الملاحظ أنّ كل من طالتهم التهم لا يزالون يسرحون ويمرحون!
 الذي نريد التأكيد عليه أنه في غياب الضمير لدى كل من تسند اليه مهمة أو تناط به أمانة وعدم الزامه بقانون يحد من طمعه وتوحشه فإنّنا نتوقع ما لا يخطر بالبال ذلك أنّ طبيعة الانسان ميالة الى الخطأ ونفسه قابلة للطمع والأنانية والمحاباة لمن تربطه بهم علاقة قرابة أو مصلحة. ودور القوانين الرقابية والمحاسبية هو منعهم من الانحراف والتسلط. واسناد أي منصب لفرد دون فرض اي شكل من الرقابة أو المحاسبة يعني التفريط في الحق العام ذلك أنّ ظاهرة التعدي على المال العام أخذت منحى بالغ الخطورة.
 في كل بلاد العالم تقريباً ثمة قانون يلزم من يتولى ادارة اي مؤسسة أو هيئة الاقرار بما لديه أو في ذمته من ثروة وتتم محاسبته اثناء ادائه للوظيفة كما يحاسب بعد خروجه منها. هذا القانون يجب ألا يفر منه أحد. والذي يتمناه كل مواطن هو الشفافية المطلقة في التعاطي مع سارقي المال العام والمرتشين اي كشفهم للرأي العام لاسباب لم تعد خافية على أحد بينها أنّ فضحهم يشكل رادعا للآخرين من الاقدام على هذا السلوك الاجراميّ ناهيك عن كونه حفظا لهيبة القانون.
 في الايام المنصرمة شهدنا ادانة مسؤولين كبار يتبوأون مواقع قيادية في اكثر من دولة وتم ايداعهم السجن جزاء لما اقترفته ايديهم من اساءة للسلطة وتفريطهم للامانة. والذي ادهشنا حقيقة انّ القانون لم يستثنهم لكونهم كانوا في يوم ما في مراكز عليا... لسنا نختلف في أنّ الثراء حق جائز لاي فرد شريطة ان يكون بطرق مشروعة أي عدم استغلال النفوذ أو الوظيفة. والاموال والثروات هي حق لجميع الافراد دون استثناء ويجب الا تستأثر بها فئة دون سواها مصداقا لقوله تعالى “كَيْ لِاِ يِكُوْنَ دُوْلِةً بَيَنَ الأغْنياءِ مِنكُمْ”. ( الحشر 7 )
 القانون الذي يعرف اليوم في بلدان عديدة بـ “من أين لك هذا” أو الاثراء غير المشروع كان مطبقاً في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طالب ولاته بكشف حساب اموالهم وهو ما يعرف اليوم بكشف حساب الذّمة المالية. وقد بلغ عمر ذات مرة أنّ واليه على مصر وكان حينها عمرو بن العاص قد كثرت أمواله فكتب اليه: بلغني أنّك فشت اليك فاشية من ابل وبقر وغنم و...الخ. فمن أين لك هذا؟ فكتب اليه عمرو بن العاص: ما ظهر لي من مال فإنّا قدمنا الى بلاد رخيصة الاسعار كثيرة الغزو الخ. بيد أنّ الخليفة كتب اليه: أني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء... لكنكم معشر الامراء قعدتم على عيون الاموال وإنمّا تأكلون النار.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية