رغم ما يحفل به ديننا الإسلامي من المبادئ والقيم الرامية الى احترام الآخر وعدم الإضرار به ومصالحه الاّ انّ المشاهد على صعيد الواقع المعاش أن هناك من يقترف سلوكيات اقل ما يمكن وصفها أنها غير حضارية. والقضية الملفتة للأنظار والباعثة على الاستهجان ما يقدم عليه البعض من استهتار بإيقاف سياراتهم في عرض الشارع دون خجل واكتراث أو أدنى اعتبار لما يسببه هذا التصرف من تعطيل لا لحركة المرور فحسب بل حتى لمصالح الناس التي تأتي في المقدمة ضمن فقه الأولويات.
المثال الآخر يتمثل في آلة التنبيه التي تعدّ مقياساً حضارياً بالغ الدلالة على عدم اقامة أدنى اعتبار لخلق الله وما يحدث لهم من ازعاج وقلق، انّ بعض البلدان اضطرت الى فرض غرامات لإساءة استخدام هذه الآلة في الحالات التي لا تستدعي استعمالها. أما الوضع لدينا فإنه يدعو الى السخرية فلم يعد مستغرباً على الاطلاق ان تقرع أذنيك اصوات هذه الآلات لمجرد ان يحدث اي تعطل مفاجئ لحركة السير حتى ولو لم يتعد لحظات.
هذان الموقفان لا يشكلان سوى انموذجين بين العشرات من النماذج التي تحتفظ بها ذاكرة الكثير منّا والتي تدلل على خلل فاضح في التركيبة الاجتماعية والمنظومة الاخلاقية التي تحكم حياة هؤلاء الافراد. كنتّ أظنّ أنّ شعوبنا العربية والاسلامية قطعت اشواطا بعيدة في مضمار التقدم والحضارة وبالتالي كان يفترض أن تنعكس على سلوكياتنا لكنّ الواقع يصدمنا في كل لحظة بما يتنافى مع ابسط القيم والمبادئ. انّ المطلوب التحليّ ولو بأبسط المبادئ الحضارية لكن ما يفعله هذا البعض لا ينمّ عن روح حضارية فضلا عن دينية.
البعض لا يسأم من تكرار المقولة الذائعة منذ عشرات السنين وهي لماذا نحن المسلمون نمتلك افضل المبادئ لكننا نعيش أسوأ الاوضاع؟ ولماذا هم في الغرب يجسدون قيم الاسلام رغم كونهم غير مسلمين. وكان أحد الكتّاب أقام مقارنة في هذا الاطار اشار من خلالها الى مفارقات تستدعي التأمل كالاشارة الى وفرة الخطب والارشادات ومئات المساجد وعشرات الآلاف من الوعاظ وهم في الغرب يفتقدونها ومع هذا يتصدرون قائمة الدّول في الشفافية بينما دولنا تقبع في ذيل القائمة! وهناك ايضا في الغرب الذي يحلو للبعض منا وصفه بالكافر لا تجد النظرة الدونية للآخر أيّا كانت الجنسية التي يحملها أو الديانة التي يعتنقها ومهما كانت الوظيفة التي يشغلها عاملا أو خادمة. فالجميع متساوون أمام القانون لأنهم تشربوا القيم الانسانية.
وهكذا تتضح الصورة أمامنا جلية وهي انّ معضلتنا ليست في نقص للمبادئ ولا المواعظ لكنها في تجسيدها افعالاً وسلوكيات. أعتقد بل أجزم انّ العلّة لدى أغلب مجتمعاتنا اننا قنعنا بالنظريات دون التطبيق. وأغفلنا ان نقرنها بالعقوبة اتساقا مع المثل المعروف “من أمن العقوبة أساء الادب”. وإزاء مثل هذا السلوك المجافي للواقع والأخلاق فلا يوجد خيار الاّ فرض العقوبات الصارمة فإنها وحدها الكفيلة بردع من ضربوا بالقانون والقيم عرض الحائط وهي وحدها من تعيد هؤلاء العابثين الى جادة الصواب ووحدها من تجعل هؤلاء يحسبون للآخرين ألف حساب.
ورغم تشدق الأغلبية بما يزخر به تراثنا من احاديث وإرشادات الاّ انّ التطبيق في واد آخر وكأنّ هذه المرويات للمفاخرة والمباهاة أمام الآخرين ليس الاّ.