العدد 2024
الأربعاء 30 أبريل 2014
رحيل المعلّم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأربعاء 30 أبريل 2014


 ماركيز ربّما هو أعظم شخصية في تاريخ البلاد، لقد تعرّف العالم على كولومبيا من خلال ماركيز الذي جسدها بطرق عدة، وإنّ واقعيته السحرية ليست اختراعاً، إنه وصف دقيق لكولومبيا.
 “إنّ هؤلاء العظماء لا يموتون”.. هكذا وصف الرئيس الكولومبي سانتوس عبقري الرواية العالمي غابرييل غارسيا ماركيز الذّي توفي قبل أيام في المكسيك، وأقيمت له مراسم تأبين في العاصمة مكسيكو سيتي، حيث عاش ماركيز الثلاثين سنة الأخيرة من حياته.
 الشهادات التي قيلت في حق هذا الروائي المبدع لم تكن من قبل الكتّاب والأدباء وحدهم بل شملت حتى زعماء العالم. ويعد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الأقرب إليه ومما قاله “أنا دائماً ما دهشت من خيال ماركيز ووضوح أفكاره وصدق مشاعره وتشرفت بأن أكون صديقه.. وتعرفت على قلبه الكبير وعقله المتميز لأكثر من عشرين عاماً”.
 كانت كرة القدم هي الهواية التي مارسها منذ نعومة أظفاره، لكنه ابتعد عنها بسبب ركلة عنيفة ألحقت به أذى في أمعائه، لكنّه بدلاً من اعتزال الرياضة بشكل نهائي نجده يتحول إلى رياضة الملاكمة ومن ثم البيسبول، وأخيراً اكتفى بالتعليق على المباريات. وكانت مقولته الذائعة.. الأفضل من البيسبول هو الكلام عن البيسبول.
 كما كانت الصحافة هي الحلم الذي داعب خياله منذ سن مبكرة، وكانت البداية عمله كمراسل صحافي، وحقق نجاحا منقطع النظير، وتميز بطريقة فريدة في مقاربته للأحداث مختلطة بحسه الفكاهي.
 الصحافة هي البوابة التي من خلالها اقتحم عالم الرواية السحري. وعندما نشر خبراً بعنوان (الناجي من الغرق) وبخلاف ما كان سائدا فإن ماركيز أصرّ على مقابلة الرجل الناجي. وهنا توفرت له المادة الخصبة لكتابة قصته القصيرة والبديعة “أجمل رجل غريق في العالم” ولقبه الصحافيون بـ”غابو”. ولشدة عشقه للصحافة فقد أطلق مقولته بأنّ الصحافة أجمل مهنة في العالم.
 الشهرة الواسعة لماركيز نالها لتفرده في فن الواقعية السحرية، وهو لون يمزج الخيال بالواقع بأسلوب يجعله طبيعياً. وهذه المقدرة على عكس ما يظنه كثيرون لا تتأتى إلا لقلة من الكتّاب والمبدعين. ولعلّ روايته الأشهر ومن خلالها تعرّف العالم عليه كروائي بل حققت له شهرته هي “مئة عام من العزلة” تجسد هذا الفنّ بامتياز. وتخيّل في هذه الرواية قرية صغيرة ومعزولة اسمها (ماكندو) وسط غابات كولومبيا الاستوائية لكنها مع هذا كانت غارقة في أساطيرها.. حتى ذهب إليها الأميركان وحولوها والمناطق المجاورة إلى مزارع للموز، ومصانع وسط المستنقعات كما أوصلوها بسكك حديدية. ومن هنا بدأ التحول الاجتماعيّ العنيف ليمحو كل شيء في طريقه بما فيها المعتقدات والمبادئ الأساسية لهذه المجتمعات البدائية.
 لم يعتنق ماركيز الشيوعية كما يظن البعض من قرائه ومحبي فنه الروائي الذي كرس معظمه لقضايا الإنسان البسيط، لكنّه كان يسارياً أقرب ما يكون إلى الاشتراكية الفرنسية.  ورّبما نسبة قليلة من عالمنا العربي من تعرف عن هذا الروائيّ العبقريّ وتضامنه مع القضية الفلسطينية. وكان قد زار رام الله وقابل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وبعد فإنّ مثل غابرييل غارسيا ماركيز لا يموت منه سوى الجسد، وهو - أي جسده - هامد ميت منذ سنوات مضت، أما أعماله الإبداعية فإنّها ستظل باقية وشاهدة على عبقريته النادرة، وتلك هي قدرة وعظمة ماركيز الفنان والإنسان.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .