أن يخصص العالم يوماً باسم اللغة العربية هو الثامن عشر من ديسمبر، فان هذا -بلاشك- يدعونا كعرب إلى الشعور بالفرح الطاغي، بل إن لحظة الإعلان ذاتها وضعتنا كأمة عربية بحالة من الزهو والعنفوان، وهي قليلة في حياة الأمة، ولكن اسمحوا لي أن أصارحكم بالقول أنه فرح ناقص! أما الأسباب، فهي متعددة في مقدمتها أن هذه اللغة التي “وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضاقت عن آيٍ به وعظات” بتنا اليوم نخاف عليها أن تحين وفاتها! وهو شعور يجعل كل عربي يحس بالألم. إن السؤال الذي يجب ألا يفر منه كل عربي مهما كان جارحاً وممضا هو التالي: هل اللغة العربية اليوم بخير؟ وأبادر بالقول لا أعتقد أن أي فرد ممن ينتمون إلى العروبة يمكن أن يجرؤ بالإيجاب. فاللغة ليست بخير؛ لأنّ العرب ليسوا بخير لما يمرون به من انحطاط حقيقي، وأسوأ ما في عصر الانحطاط الحالي أنّ لغتنا التي هي رمز هويتنا انفصلت عن نفسها وفقدت القدرة على الفعل والانفعال. إنها منذ زمن بعيد تطلق نداء الاستغاثة، ولكن لا أحد يجيب نداءها -للأسف- الشديد.
لنعترف بأنّ أحد عوامل ضعف لغتنا هو هجرنا لكتاب الله المجيد، فنحن العرب لبالغ الأسف لا نتذكره إلاّ في مناسبات محددة كشهر رمضان وبعد أن ينقضي هذا الشهر نعود لسيرتنا الأولى. وليتنا نقرأه كما ينبغي قراءته أي تلك القراءة المتأملة المتدبرة لمعانيه، لكنها تلك قراءة مبتسرة عجولة متسرعة، وهو أمر محزن وهذا ما أفضى ليس إلى ضعف العرب، بل امتد إلى لغتهم.
وهنا نذّكر بما أشار إليه ذات مرة أحد المهتمين باللغة العربية من أن الخطر الذي يتهدد لغتنا العربية يكمن في انتشار المدارس الأجنبية، بل إنه ألقى باللائمة على “الدولة العربية” التي سلمت النظام التعليمي إلى المؤسسات الأجنبية لإدارتها. والدولة حسب زعمه لا يهمها أن يتعلم الناس اللغة العربية. وكان بودنا أن نقتنع بما ساقه هذا المفكر القومي، غير أننا نتذكر أيضا أنه عندما أسندت إليه وزارة التعليم لم يصدر عنه ما يدعم الأقوال بالأفعال، بل سارع إلى إلحاق أبنائه بالمدارس الخاصة، وكانت صدمة للمعلمين كافة، وقرار من هذا القبيل الحق كارثة حقيقية بالحقل التعليمي، ذلك أن المفترض ممن هو على هرم وزارة التربية والتعليم أن يجسد القدوة ليحتذي به الآخرون.
نعم، إن اللغة العربية في خطر، وهذه هي الحقيقة التي تبعث على الحزن ولا يستطيع أحد أن يماري فيها أو يغض الطرف عنها. ولإنقاذها من واقعها لابد من تكريسها كلغة رسمية في الاجتماعات الرسمية كما تفعل بقية الدول المتحضرة، لكنّ الواقع يسير في الاتجاه المعاكس أي تجاهلها. كذلك تتحمل وزارة التربية مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية بإسناد تدريسها إلى المتمكنين من علومها، بيد أنّ الملاحظ أن المكلفين بمادة اللغة العربية يتحدثون بالعامية أمام طلبتهم، وهذا بالتأكيد لا ينميّ لدى الطلبة حب اللغة فضلا عن اتقانها. ولا يمكن التقليل من دور الأدباء والكتاب والإعلاميين في الحفاظ على العربية، لكن المخيب للآمال أن فئة من هؤلاء درجت على إحلال العامية بدلاً من الفصحى بدعوى عدم مجاراتها لروح العصر وليتهم يعلمون أنّ ادعاء كهذا يشبه إلى حدٍ كبير إطلاق النار على جسد اللغة.