في كل مرة تتعرض فيها أمتنا العربية الى نكسة عسكرية أو سياسية ترجعها قرونا الى الوراء فإنّ أصابع الاتهام توجه على الفور الى الولايات المتحدة الأميركية لأنّها خططت وتآمرت ونفذت ضدّنا أمّا الزعماء العرب فإنّهم الضحية دائماً والضحية لا تثريب عليه فيما يحلّ به من كوارث. اذ ليس هناك اسهل على السياسيّ العربيّ من إلقاء التهم على الآخرين وليس أصعب من الاعتراف بالمسؤولية. لأنّ الاخيرة تخرجه من تبعات كثيرة لعل اهونها هو التنحي عن موقع الزعامة وهذا بالطبع لم يدخل في قاموس أحد هؤلاء.
ليس هناك من يستطيع أن يبرئ ساحة اميركا عما حلّ بالأمة العربية من كوارث مفجعة ليس في هذه السنوات فحسب بل منذ عقود بعيدة وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم ولعلّ آخرها ما اقترفته من جرائم بحق الشعب العراقي الشقيق لكن بالمقدار ذاته فإن السياسيين العرب يتحملون المسؤولية الأكبر فيما يقع على بلدانهم من مؤامرات ودسائس وألا يقنعوا بدور الزوج المخدوع الذّي لا حول له ولا قوة.
لقد اعتاد المواطن العربيّ المسحوق انه عندما تتكشف خيوط المؤامرة وتقع الهزائم الثقيلة فإنّ السياسيين العرب يخرجون بمبررات ليس من بينها فشلهم في قراءة الواقع قراءة دقيقة تستشرف المستقبل بل إنّهم كانوا ضحية لمؤامرات دنيئة وهو ما يعفيهم من أية محاسبة قد يتعرضون لها.
إنّ الأغلبية من السياسيين العرب يجهلون طبيعة الفلسفة البراجماتية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية والقائمة على المصلحة طبقاَ للقول المأثور ليست هناك صداقات دائمة ولا عداوات دائمة لكن هناك مصالح دائمة. وكل شيء في العالم - في المنظور الأميركي طبعاً – خاضع للمصلحة والآخرون بالنسبة اليها أشبه بالنقد متى ما فقد القيمة تخلصوا منه.
المفارقة المثقلة بالسخرية وتدعو الى الدهشة في مسألة التعاطي مع الدولة الأعظم هو ما يطلقه بعض الزعماء العرب من مطالب لزعيم الولايات المتحدة هي في حقيقتها استجداءات لأميركا لانتشالهم من الكارثة. وهذا الموقف البالغ المهانة يوحي بأنّ العرب أضحوا كالأيتام ينتظرون من يتصدق عليهم بالحل كيفما كان.
لسنا نفهم سبباً واحداً لتكريس زعيم دولة الولايات المتحدة للقيام بدور المنقذ والمخلّص للعرب من مشكلاتهم. بل ثمة اسباب عدّة تدعونا الى أخذ الحذر منه ذلك أنّه طوال تاريخ الولايات المتحدة لم تكن الصديق الذي يمكن أن نثق بصداقته بل إنّها كانت على الدوام تنصب العداء للامة العربيّة.
في العلن لا يكف الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما عن التشدق بأنّ بلاده تبذل كل ما يمكنها لنشر الديمقراطية في كل انحاء العالم العربيّ وهي داعمة لأصوات الحرية لكنّ المدقق في افعالها يلحظ دون عناء انّها تناقض ما تدعيه.
ان احدى عاهات فكرنا العربيّ أنه وضع ثقته المطلقة في الولايات المتحدة دون حساب للنتائج المترتبة على هذه الثقة. وعلى سبيل المثال فإنّه ما ان يطلق أوباما تصريحاً مؤيداً لموقف عربيّ فإن العرب يرقصون ابتهاجاً بل يعدونه علامة تستحق الفرح لكنّ الايام تكشف لهم الحقيقة المروعة وهي أنّ التصريحات لم تكن اكثر من خدعة كبرى وحينها ينقلب شعورهم الى حزن مدّمر.
إنّ الحقيقة هي انّ العرب لا يستوعبون دروس التاريخ والاّ فإنّ رئيس الولايات المتحدة الاميركية هو صورة مطابقة للذين سبقوه بمعنى أنّ سياساتهم مبنية على ما يحقق لدولتهم مصالحها وعلى الآخرين أن يدركوا هذه الحقيقة المجهولة لديهم للأسف.