لم تجد هيئة التأمينات الاجتماعية من جهة تعلق عليها فشلها وتعوضها عن إخفاقاتها المتكررة وسوء إدارتها إلاّ رواتب المواطنين، إذ إنّ الأنباء التي تسربت في الآونة الأخيرة تفيد أنّ الهيئة العامة للتأمينات تنوي زيادة نسبة الاشتراكات التأمينية.
معلومٌ للجميع أنّ الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية قد تكبدت خسائر فادحة على مدى الأعوام الفائتة قدرت بالملايين، وهو نتيجة للفساد الذي ينخر في أوصالها. أحيانا يرجع القائمون فيها الأسباب إلى الأزمة المالية العالمية، وقد بلغ في ذلك العام 136 مليون دينار. أما النتائج الإجمالية كما أوضح رئيسها آنذاك، فكان 204ملايين دينار. أما الخسائر التي تكبدتها بفرعيها التقاعد والتأمينات حدثت ضمن الاستثمارات الداخلية وفي سوق الأوراق المالية البحرينية.
ولكي يخفف المسؤولون في الهيئة من حجم الخسائر، فإنّهم يرددون دائما أنها مجرد خسائر دفترية في التقييم فقط وليست هناك خسائر فعلية. أعضاء مجلس إدارة الهيئة قبل سنوات حملوا سبب الخسائر الكبيرة إلى غياب الفريق الاستثماري القادر على التدخل السريع؛ لمعالجة الأمور قبل استفحال المشكلة وارتفاع الخسائر.
ونتذّكر أنه قبل عام من اليوم تقريباً كان ديوان الرقابة المالية والإدارية قد أصدر قراراً بالتحقيق في التجاوزات الإدارية بالهيئة. وكانت خطوة في الاتجاه الصحيح كونها تستهدف التصدي للفساد وتجفيف منابعه بعد أن أخذ منحى خطيراً، لكنّ المؤسف أننا اليوم وبعد كل هذا الوقت لم نشهد ما يفيد إلى أين وصلت التحقيقات بشأن الموضوع.
حجم التجاوزات بالهيئة كان كبيراً بحيث لم يعد بالإمكان السكوت عليه، وقد نشرت “البلاد” تحقيقا مدعماً بالوثائق الدامغة. وكان المؤمل حينها من القائمين على الهيئة أن يفندوا ما نشر، إلاّ أنّهم لاذوا بالصمت وكأنّ القضية لا شأن لهم بها مما عزز قناعتنا بصحة تلك المعلومات.
كل ما نأمله أن يتكاتف أعضاء المجلس النيابيّ لهذا التوجه / الزيادة وإفشاله؛ لكونه يلقي بأعباء إضافية على المواطنين ويحملهم مسؤولية إضافية لا قبل لهم بها، بل إنه يقلص من رواتبهم ومعاشاتهم التقاعدية. وقد أشارت عضو لجنة الشؤون الخارجية والأمن الوطني بمجلس النواب النائبة سوسن تقوي رفضها لزيادة الاشتراكات. واعتبرته التفافا مرفوضا على الزيادة المقررة للفئات الاجتماعية من ذوي الدخل المحدود في مبلغ علاوة المعيشة رغم المآخذ الكثيرة عليها كونها لم تكن في مستوى طموحات المواطنين.
التبريرات المكشوفة التي تلجأ إليها الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية بأنّ أي زيادة في نسب الاشتراكات ستنعكس إيجابياً؛ لتحسين المزايا التأمينية للمتقاعدين، لكن الملاحظ على أرض الواقع هو أنّ الهيئة تتباطأ في توحيد المزايا التأمينية بين موظفي القطاع العام وعمال القطاع الخاص، والذي صدر بشأنه تشريع ملزم منذ العام 2008.
الهيئة العامة للتأمينات بحاجة إلى إصلاحات عاجلة وجذرية بعد تفشي الفساد. والمفارقة أننا لم نسمع حتى اللحظة عن تقديم أحد من الهيئة للتحقيق رغم أنّه ثبت تورط بعضهم في قضايا الفساد. ورغم تقديرنا للمجلس النيابيّ إلاّ أنه بوصفه المؤسسة الرقابية الأولى لم يقدم على تشكيل لجان للتحقيق في هذه القضايا. وإذا كان المجلس النيابيّ قد دأب على تقديم العلاجات المناسبة والدفع نحو إقرار التشريعات التي ترفع الضرر عن المواطنين كما أشارت تقوي، إلاّ أنه – المجلس – لم يتحرك بهذا الاتجاه وهو أمر يبعث على الاستغراب.
إننا نطالب من أصحاب السعادة النواب إلى تفعيل الأدوات الدستورية المتاحة لأعضاء السلطة التشريعية، ومن بينها المساءلة والاستجواب بالطبع؛ لحفظ أموال المواطنين من العبث والاستنزاف.