ما ان يحل شهر رمضان المبارك حتى تنهال الاسئلة المكررة على شيوخ الدين من قبيل هل القبلة بين الزوجين تبطل الصوم؟ وما حكم تنظيف الاسنان بالمعجون اثناء الصوم خشية ان يبتلع شيئا منه فيبطل صومه أو السؤال المتعلق بشرب الشيشة والسهر في الخيام الرمضانية وآخر حول سماع الاغاني أو حكم من يأكل أو يشرب ناسياً.. الى غيرها من المسائل التي تكثر في رمضان كل عام.
يعتبر شهر رمضان موسما للفتاوى بامتياز. البعض وجد في الفضائيات أرضا خصبة للفتاوى العشوائية. وقد يختلط الحابل بالنابل فليس مستغربا ان يتحول هذا الموسم العبادي الروحاني الى فرصة للبعض من قليلي الخبرة في الامور الدينية للتصدي لأي سؤال أكان ما يستوجب الرد أم لا.
ما يثير الاستغراب والدهشة هنا هو تلك الآراء الفقهية التي تدفع أحياناً الى السخرية لغرابتها وخروجها عن المألوف ذلك أنها تشكل بوضعيتها الكثير من الشكوك لا بين المسلمين وحدهم بل حتى لدى الآخرين من اتباع العقائد الاخرى. وهنا يصبح من الحتمي على فقهاء الامة وعلمائها الاجلاء في المواقع الاسلامية الى قرار بضرورة ضبط الفتاوى.
كان الامام الاكبر الدكتور احمد الطيّب شيخ الازهر الشريف قد حذّر ذات مرة من هذه الفتاوى وخطرها على الدين محدداً ضوابط الفتوى بأنّ علماء الامة وضعوا للفتوى قواعد وآداب واوجبوا على المفتين مراعاتها عند القيام بالنظر في النوازل والمستجدات رعاية لمقام الفتوى العالي واحاطة له بسياج الحماية من عبث الجهالة والادعياء.
قد يختلط الامر لدى الكثيرين من أنّ مثل هذه الفتاوى الغريبة تأتي من باب التيسير والتسهيل على الانسان المسلم لكنّ التحذير منها كان واضحا بأنّ يبين منهج المبالغة والغلو في التساهل والتيسير بونا شاسعا فلا “ينبغي للمفتي تحت ضغط الواقع أن يضحيّ بالثوابت والمسلمات أو أن يتنازل عن الاصول والقطعيات بالتماس التخريجات والتأويلات التي لا تشهد لها أصول الشريعة ومقاصدها”.
الضرورة تقتضي اليوم في ظل ما هو سائد من فتاوى ان تتوحد جهة اصدار الفتوى وكان هذا مطلباً ملحاً منذ امد بعيد لسد الباب على المتاجرين بالفتاوى للحفاظ على صورة الاسلام نقية كما جاء بها الرسول الاعظم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله.
وفي ظل ظاهرة الفتاوى الغريبة المنتشرة هذه الايام على اوسع نطاق فإنه يستحيل وقفها دون تقييد وسائل الاعلام بميثاق شرف اعلاميّ واخلاقيّ. اضافة الى غربلة لكتب التراث الاسلامي الحافلة بالغث والسمين. واعتقد انّ المهمة ليست سهلة لكنها في الوقت ذاته ليست عسيرة ايضاً.
المفتيّ يعدّ قائم مقام النبيّ الأكرم محمد صلى الله عليه وآله مصداقا للمأثور “العلماء هم ورثة الانبياء”. وهي مكانة خطيرة للغاية تستوجب الحذر قبل اطلاق اية فتوى.
والاّ من منّا تغيب عن باله ما يحدث في كل عام من خلاف عن دخول وخروج الشهر الهجري وما يفضي من تفتيت وحدة الامة الى فرق تزعم كل واحدة منها أنّها على حق والآخرون على باطل. والمفارقة أنّ كل هذا يحدث بالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يتنبأ بحدوث بعض الظواهر حتى قبل سنوات. وبالتالي هل من المعقول في عصر الاقمار الصناعية والحسابات الدقيقة، نقول هل من المنطقي لا يزال المسلم ينظر بالعين المجردة لرؤية هلال شهر رمضان؟.
المعضلة باختصار تبدو لنا أنها تكمن في استيعابنا لمدلول الاحاديث ومنها “صوموا لرؤيته..” حيث ينصرف الذهن الى انّ الرؤية تعني العين المجردة ولا تتجاوزها الى الاستعانة بالتطور العلمي المذهل ومن بينها المراصد الفلكية الدقيقة وهذه بامكانها التعمق في الكون ملايين المرات من قدرات الانسان المحدودة.