مهما كانت الدوافع التي يتذرع خلفها من قام بإغلاق الفضائيات الدينيّة في مصر كالتحريض على الفتنة واستخدام العنف وتكفير المعارضين فانّ هذا بلا شك يعدّ مصادرة لحرية التعبير وتكميما للافواه ما كان يجب على السلطات الاقدام عليه. وحتى في الظروف الاستثنائية كالتي تمر بها مصر هذه الايام فانه لا يجوز اغلاق القنوات ومخالفة القانون ذلك انّه يشكل سابقة خطيرة وخطوة الى الوراء.
انّ التساؤل الذي اثاره المتحفظون على هذا الاجراء هو التالي: اذا كانت هذه القنوات تحرض على الفتنة والعنف منذ ان قبض جماعة الاخوان على السلطة فلماذا لا يلجأ هؤلاء الى القضاء بأساليب قانونية؟ اليس القضاء هو من يفصل بين المتنازعين بدلاً من سوق الاتهامات يمينا وشمالاً؟.
صحيح انّ بعض القنوات اخذت منحاً متطرفاً في اطروحاتها ونقلت وجهات نظر تصبّ في بث الاحقاد والكراهيات بين ابناء الامة الواحدة بيد انّ الحل المنطقي لا يكون باغلاقها وتكميم الافواه فانّ هذا يعد بكل المقاييس عودة الى الوراء ونكسة حضارية. بل يكرس لدينا منطقا بالغ الخطورة من شأنه الدفع بالقائمين على القنوات الى اللجوء الى وسائل أخرى اشدّ خطورة مما هو شائع في هذا العصر اي مواقع التواصل الاجتماعي التي اضحت بلا قانون ولا رادع اخلاقيّ وقيميّ.
منذ انطلاق البث الفضائي وانتشار القنوات ذات التوجهات الاسلامية فانّ التساؤل هو ما الذي قدمته هذه القنوات؟ هل عمّقت في ذهن الانسان المسلم النزعة الايمانية ام اشاعت الكراهيات المنفلتة من اي رابط؟ المؤسف ان الذي يغلب على المادة الاعلامية فيها هو يصنف في خانة التحريض واثارة الاضغان وكان يتم تحت عناوين براقة وفضفاضة كحرية الرأي والتعبير. ليست القضية مقتصرة على ما يجري في مصر هذه الايام بل هناك فضائيات استمرأت هذه اللعبة الخطيرة في طول البلاد العربية وعرضها ويمكن الاشارة الى غير قناة من هذا الطرف ومن ذاك عملت على اشاعة الكراهية والاحقاد نحن في غنى عنها.
لعل ما يجب على ابناء الامة في هذه الظروف بوجه أخصّ هو تجنب النبش بالقيم والمقدسات. ذلك أنّ ثوابت هذه الامة غير قابلة للعبث والمهاترات من اية جهة كانت. لذا فانه يتحتم على الفضائيات تحديداً الالتزام بأخلاقيات العمل الاعلاميّ حفاظا على وحدة الصف.
لكتّاب مصر ومثقفيها وجهة نظر تبدو لنا موفقة وفي غاية الاهمية تتمثل في منع المناظرات بين الاديان والمناقشات بين المذاهب الاسلامية والابتعاد عن الدعوات العنصرية او تلك التي تنطوي على امتهان الاديان أو بث الكراهيات أو الطعن في عقائد الآخرين وما يمس عقائدهم وطوائفهم.
التساؤل الذي يرد في الاذهان جرّاء حجب الفضائيات هل الاغلاق يعد حلّاً؟ أم بمثابة بداية لمشكلة جديدة؟ الاغلبية ترى انّ اللجوء الى الاغلاق لا يستأصل جذور المشكلة بل انه ربما يشرع ابواباً كانت موصدة لمعضلات اشدّ. الحل لا يكون في كتم الاصوات بل في القانون. ثم انّ الفضائيات الاسلامية ليست الاستثناء اذ انّ فضائيات اخرى لا تقل سوءاً. والاّ من يستهين بما تشعله بعض الفضائيات السياسية من تهييج للرأي العام. وتلك المتخصصة في الترويج للاباحية الجنسية وأخرى تكرس بثها طوال ساعات الليل والنهار للسحر والشعوذة.
بقي أن نذّكر بحقيقة لم تعد غائبة بأنّ هذه الفضائيات تستنزف اموالاً من جيوب الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم وهذه حقيقة يتجاهلها الكثيرون للاسف البالغ.