العدد 1730
الأربعاء 10 يوليو 2013
بأي حالٍ عُدت يا رمضان محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأربعاء 10 يوليو 2013

قلة هم اليوم الذين يستوعبون الأبعاد الرمزية لمفهوم الصوم، أما الغالبية فلا تفهم منه سوى الامتناع عن الأطعمة والشهوات بين ساعتي الإمساك والإفطار، وتغيب عنهم الغاية السامية منه، وهي تهذيب غرائز الإنسان. أما المفارقة المثيرة للسخرية فإنهم لا يتورعون عن ممارسة ما يشاؤون من أفعال وتجاوزات وشهوات بجنون لا مثيل له.
الأخطاء التي نمارسها ليست مقتصرة على الأمور الدينية وحدها من عدم التدبر في المعاني التي تنطوي عليها هذه الفريضة بمعنى الإحساس بمشاعر الآخرين وخصوصا فئة الفقراء منهم والمشردين في طول العالم الإسلامي وعرضه، بل تتعداها إلى الأخطاء الصحية. إذ أنّ الموائد الرمضانية تحولت إلى أشبه بالاستعراضات والتفاخر بين الأسر. وبالنتيجة فإنّ ما امتنعنا عنه طوال النهار نقبل عليه في المساء بنهم لا نظير له، وبهذا تنتفي القيم التي تضمنها الصوم. والمأساة أننا نكرر هذا الفعل كل عام!
لابدّ أنّ كل فرد منا قد اعتاد منظر عربات التسوق المكتظة بأصناف البضائع الخارجة من المجمعات التجارية، وللوهلة الأولى فإنّ الذهن ينصرف إلى أننا مقبلون على أشهر من المجاعة وليس بانتظار شهر للعبادة. ولو أنك جادلت أحد هؤلاء ممن يكدسون المواد الغذائية في هذه المسألة، أعني الإسراف الذي لا مبرر له في شهر رمضان لفاجأك أنه ليس هناك في الإسلام ما يمنع منها!
أمّا ما يتبقى من أطعمة فحدث عنه ولا حرج، وهي أيضاً تتكرر في معظم الأسر تقريباً، وليس هناك من يفعّل مبدأ الاقتصاد في الطعام على الأقل وكأنّ عالمنا العربيّ والإسلامي قد فرغ تماما من الفقراء الذين يئنون من وطأة الجوع طوال العام.
وإزاء هذه الممارسات فالمطلوب اليوم من رجال الدين خصوصا بث ثقافة ترشيد الاستهلاك لا بكونها تتعارض مع قيم الشهر الكريم، بل لأنها تتنافى مع ما تدعو له الثقافة الصحية من ضرورة التنبه إلى الأخطار المترتبة على الإقبال على الأكل دون وعي.
أمّا الآثار المترتبة على ظاهرة التبضع المبالغ فيه فهو أننا تسببنا في الارتفاع الجنوني للأسعار، ولعل جميعنا لاحظ هذا الأمر، وقد شمل الارتفاع مختلف أنواع البضائع.
والصوم ليس الفريضة الوحيدة التي يطبقها المسلمون بهذا الشكل الساذج، أي الوقوف على السطح ودون النفاذ إلى الجوهر، بل إنّ جميع الأركان الإسلامية الأخرى شبيهة له بقدر ما. فالحج كمثال آخر يدلل على مدى انهماكنا في الشكل على حساب المضمون، أي أننا نتجاهل في غمرة ممارساتنا لهذا المنسك العظيم الأبعاد التي ينطوي عليها.
فالملاحظ أنّ فئة اعتادت على تكرار الفريضة بشكل متواصل ودون انقطاع، بينما هناك إخوة لهم في الإسلام وفي بلدانهم يتضورون جوعاً، وقد يكونون أقرباء لهم، لكن المحزن أنّ كل هذا لا يثير لديهم أدنى مشاعر العطف أو المساعدة، وهو أمر يدعو إلى الأسف.
وأتذكر هنا مقولة لأحد أعلام الفكر الإسلامي الوسطيّ هو الراحل الشيخ محمد الغزالي غفر الله له مفادها أنّ مساعدة شاب على تأسيس مشروع تجاري يبدأ به حياته أفضل من تكرار تأدية الحج، بل إنّ الثواب طبقا لكلام الشيخ مضاعف، فأين من يستوعب هذا الفكر اليوم ومن يطبقه في الواقع؟
ولو أننا استوعبنا الفلسفة التي ينطوي عليها الصيام وطبقناها في واقعنا الحياتي كالتضامن والتكافل مما حفلت به الأحاديث النبوية الشريفة، فإنها بلا شك ستغير واقع هذه المجتمعات، بل أجزم أنها ستغدو أقلّ بؤساً وتشرذما وتخلفاً مما هي عليه اليوم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية