الزيارة التي قام بها فضيلة الشيخ الدكتور احمد الطيّب شيخ الازهر الشريف مع وفد من كبار العلماء بجمهورية مصر لمملكة البحرين تحمل العديد من الدلالات والابعاد. أهمها كما اشار فضيلته هو تعميق اواصر الوحدة والتضامن مع البحرين. ولمملكة البحرين مكانة في عقول وقلوب ابناء مصر الشقيقة وبالاخص رموزها الدينية على مدى التاريخ القريب منه والبعيد. ولم يفت الشيخ الطيب من الاشادة بما يجري في المملكة من حراك وطنيّ والذي يدور حول التمسك بالدولة المدنية التي هي دولة المؤسسات والقانون والاصلاح السياسي واحترام كل مكونات المجتمع البحرينيّ.
انّ دور الازهر عبر التاريخ كان دوماً هو الدور التنويري في بناء الامة نظرا لما يحظى به الازهر من ثقة بين كافة ابناء الامة الاسلامية على اختلاف مناهجها . وكان هذا الجامع العريق يستقطب الآلاف من طلبة العلم ومن مختلف دول العالم من آسيا وافريقيا واوروبا للنهل من علومه وفلسفته.
ولم يكن مفاجئا للشعب المصري ولا للآخرين أن يصدر الازهر الشريف الوثيقة التاريخية “ وثيقة الازهر للحريات “ كما باتت تسمى فيما بعد ببنودها الاثني عشر بمشاركة من قطبي الديانتين في مصر الاسلام والمسيحية اذ شارك الجميع بالتوقيع على الاتفاقية . وتتمثل اهمية الوثيقة في كونها مرجعا شاملاً أخذ بها ابّان تشكيل اللجنة التي قامت باختيار اعضاء الجمعية التأسيسية المنوط بها اعداد الدستور المصري.
واذا كانت بعض الزعامات التي تولت السلطة في مصر قد عمدت الى اقصاء دور الازهر الشريف وابعاده عن قضايا الامة مما افسح المجال الى دخول قوى التطرف على الساحة وفي الوقت ذاته سمح للبعض من اطلاق الفتاوى التي اثارت الكثير من البلبلة والجدل . غير انّ الازهر اليوم قد استعاد دوره التنويري والارشادي لا على الساحة المصرية وحدها بل على اتساع الارض العربية والاسلامية اذ دعا شيخ الازهر الشريف مؤخراً الحكام العرب الى اتخاذ “ اجراءات جادة وفورية تحمي دماء الشعب السوري وتعزز حريته وتحول دون استباحة الآخرين وهذا ما يعطي الدلالة العميقة بأنّ رسالة الازهر لم تعد مؤطرة بحدود مصر وحدها بل هي رسالة عالمية ومن الضروري ان يكون للازهر رأي فيها .
انّ “الازهر مؤسسة تعليمية ودعوية تدافع عن حقوق الناس وتقف الى جانب المظلومين في العالم العربيّ والاسلاميّ “ وهو ما يدعو الى اهمية استقلال الازهر لانّ محاولات تبذل منذ قرن ونصف “ لتطويع الازهر والحاقه بالنظام السياسيّ “ وهم يشيرون الى عهد الرئيس المصري الاسبق عبد الناصر عندما اصدر قراراً بأنّ تعيين شيخ الازهر من سلطات رئيس الجمهورية .
وكثيرة هي المناسبات التي أكيد فيها الامام الاكبر الشيخ احمد الطيّب على قيام الدّولة المدنية وفي هذا قال ذات مرة “ انّ الاسلام لم يعرف في حضارته ولا في تشريعاته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الاخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ “
ورغم تصاعد حركات المدّ الديني كالتيار السلفي وجماعة الاخوان المسلمين في العامين الاخيرين وتحديداً بعد انتصار الثورة المصرية ومحاولة بعض هذه التيارات تهميش دور الازهر باعتباره رمزا لنظام سياسي فاسد وبوقا تستخدمه السلطة ليوفر لها شرعية دينية الاّ ان الازهر استطاع ان يحافظ على دوره الوسطي بين هذه الجماعات .
ويبقى القول انّ المسلمين في كافة البلدان الاسلامية يتطلعون الى ان ينهض الازهر بدوره التنويري بوصفه رمزا للاسلام الوسطي المعتدل، غير انّ البعض الآخر يطالب بإصلاح الأزهر وان تستعيد هذه المؤسسة استقلاليتها التي فقدتها منذ سنوات.