العدد 1652
الثلاثاء 23 أبريل 2013
غناء أم غثاء؟ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 23 أبريل 2013

كان عالم الاجتماع العربيّ الكبير ابن خلدون قد أكدّ في مقولة له بأنّ في انتصار وازدهار الأمم فانّ العبارة ترتقي في اللفظ والكلمة والغناء . وقد اضحى الغناء اليوم هوية للعربيّ تعكس بشكل جلّي واقعه وشخصيته .
ومن المتابعة اليوم للإنسان العربيّ المنكسر نرى من بينها الاسترخاء امام الفضائيات التي أصبحت بعدد حبات الرمل لسبب بسيط جداً وهو انها اضحت الملاذ والبديل لقصص الجدّات قبل النوم في سالف الايام . ولا يجادل احد بانّ بعض الفضائيات اصبحت جاذبة للانتباه ربّما لأنها أمست بلا رقابة من أي نوع !
انّ الذّي لا تخطئه عين المشاهد لهذه الفضائيات أو بالأصح أغلبها انها استعاضت عن مخاطبة عقله الى غرائزه. والاّ ماذا يعني ان تكرس فضائية جميع ساعات اليوم الى بث كليب اغانٍ هابطة جارحة للذوق العام .وللتدليل على ما نقول ما شهدته السنوات الاخيرة من اطلاق أغان على شاكلة  “البلح والعنب” وبحبك يا حمار” لمطرب يدعى سعد الصغير . وسبقه “المطرب الشعبي” شعبان عبد الرحيم في “انا بحب الحمار بجد مش هزار” والذي يبعث على الدهشة والحزن انّ مثل هذه الاغاني هي الاكثر رواجاً في سوق الكاسيت في معظم البلدان العربية!  ولو تجرأ قسم الرقابة على الاعمال الفنية في احدى الدول على رفض اغنية من هذا النوع لقامت الدنيا وما قعدت.
ولا يجب أن ينصرف الذهن هنا انّ سبب المنع سياسيا أو اخلاقيا لتعارضه مع العادات والتقاليد بل أنّ صاحب العمل الفني يبدّد المخاوف بأنّ عمله ينطوي على قيم واهداف عالية !
البعض يرجع ظاهرة الاسفاف وهبوط الغناء العربيّ الى هذا الدرك من الانحطاط الى الجمهور العربيّ ذلك أنه وحده من يتحمل المسؤولية في انتشار الفاحش لأغانٍ تتغزل بالحمير والكلاب وبقية الحيوانات ! واشار احدهم الى انّ الهبوط في اللفظ والكلمات ليس مجرد عبثا بل تدل على انّ الارضية التي تقف عليها الجماهير ارضية رخوة من مميزاتها اللامبالاة والتردد والاّ كيف نفسر انّ الغناء العربي الذي يجب ان يحمل نبض الامة بأوجاعها وصمودها بخوفها وحيرتها وميادينها وشوارعها وطرقاتها بجوعها وفقرها ومشاكلها الشبابية، كيف يمكن تفسير الابتعاد عن هذه الاجواء الملتصقة بالدم والخوف حتى وصلت الى الكلاب أعزكم الله .
وحيث اننا نعيش الزمن الرديء والاثارة الرخيصة الى الحد الذي لا تجد فيه احداهنّ ممن تدعي الانتساب الى عالم الفنّ كذبا وزوراً ما تقوله من كلمات  ومن باب التغيير وتحقيق الشهرة ومن ورائها بالطبع المال وتخرج علينا “ سارية سواس “ وهذا هو اسمها على الجمهور بما تسميه اغنية “ سهرانه فين امبارح يا بنت الكلب “ ! اما المحزن بصورة لا تصدّق هو انّ تجد هذه الاغنية بكل ما تتضمنه من شتم وبذاءة واسفاف طريقها الى الفضائيات العربيّة وتعاد في اليوم الواحد عشرات المرات! بالله عليكم هل هناك مصيبة اكبر من هذه المصيبة ؟ 
ويجدر بنا التوقف امام سؤال احسبه  جوهري ازاء هذا مايجري في عالمنا مفاده التالي : اين زمننا من عمالقة  الطرب الاصيل من امثال عبد الوهاب وام كلثوم وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ والآخرون الذين ملأوا سماءنا بابداعاتهم الخالدة؟
اننا نؤمن بأنّ لكل عصر مبدعوه وثقافته ونجومه ولا نقلل من قيمة بعض الاصوات الجميلة لكن لا يمكن اعتبار التفاهة والرداءة  فنّا بأي حال من الاحوال. باختصار شديد أعتقد انّ الفارق بين جيل الامس كان يعتمد على جمال الكلمة وحسن بلاغتها على العكس من غناء اليوم الذي لا يمت اليه بصلة بل يسيء الى اللغة العربية والقيم الإسلامية النبيلة.  

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية