الآلاف من العمالة الاجنبية تركوا وراءهم زوجاتهم واطفالهم الصغار وهاجروا للبحث عن لقمة العيش لانتشال عائلاتهم من الفقر المدقع الذي يعيشون تحت وطأته . بيد انّ الاغلبيّة منهم يجدون انفسهم تحت ظروف عمل قاسية والانكى من هذا بين بشر قد انتزعت الرحمة من قلوبهم فأجبروا على البحث عن ملاذ أمن . الحالات المشار اليها ليست العمالة الرجالية وحدها بل حتى خدم المنازل كما تقول احداهنّ : كانوا يضربونني دائما وكنت اذهب للحمام وابكي ولهذا السبب هربتُ من المنزل “
وتبلغ المأساة ذروتها عندما يفشل القانون من انصافهم وتقديم الحماية لهم والاسوأ هو ان المجتمع قد تأصلت فيه نظرة الاضطهاد ضدهنّ . ولهذه الاسباب وغيرها لم يعد من المستغرب ان ان يكون خيار البعض منهم هو اللجوء الى الانتحار كحل اخير لمشاكلهم.
في أحد مكاتب الخدم تحدّث احد الحاضرين بحدّة قائلا : خدّامتي هربت ولم يكن قد مضى على عملها لدي سوى اشهر .. ما العمل ؟ والحقيقة انّ هذه الحالة ليست سوى حالة بين العشرات من الحالات المشابهة. غير انّ الحقيقة التي لم يشأ الكثيرون الافصاح عنها هي في اسلوب التعامل مع هؤلاء الخدم التي تفتقر الى ابسط مبادئ التعامل الانسانيّ هذا اذا كان قد بقي شئ من التقدير او الاعتراف بهم وبهنّ .
الانتهاكات بحق العمالة من الرجال او النساء قد شاعت مما اضطر الدول التي ينتسب اليها هؤلاء الى تشديد الاجراءات التي تصل في بعض الاحيان الى حظر سفرهم للدول ذات المعاملات السيئة . ليس الضرب المبرح هو ما يمارس بحق هؤلاء البسطاء بل انّ فئة من الكفلاء تقوم وبلا وازع من ضمير ولا رادع من اخلاق بالتحرش بهنّ جنسيا. وهو ما يمثل قمة الانحطاط الاخلاقيّ.
انّ الحاجة الى المال لاعالة افراد اسر الكثيرات منهن دفعت بالبعض منهنّ الى تحمل الاعتداءات الجسدية والنفسية بل الى الاضطرار الى القيام باعمال تتنافى مع وظيفتهن الاصلية كغسيل السيارات مثالا للحصول على ما يعيلهم .
واذا كانت الانظمة العالمية الحديثة لا تجيز للمستخدم حجز حتى جواز العامل او الخادمة فانّ الكفيل لايقيم ادنى اعتبار لحقوقهن وعادة ما تكون المعاملة اقرب الى الاستعباد فضلا عن سلب الكثيرات حقهنّ في الحصول على اجازة يوم راحة اسبوعيا او دفع مبلغ اضافي لقاء عمل هذا اليوم .
ورغم انّ هناك اجراءات تتخذ حيال من يقوم بانتهاكات ضد العمالة المنزلية تحديدا الى انّ المطلوب تشديد العقوبات بحق من يسئ الى هؤلاء باي شكل من الاشكال . وكنا نتمنى لو انّ هناك خدمة خط ساخن للابلاغ عن حالات الاعتداء على العمال والخادمات كما هو معمول به في بعض البلدان العربية اضافة الى عقود عمل للخادمات تحديدا تضمن لهنّ اجورهنّ وحقوقهن كاملة وحمايتهنّ من اي بطش يتعرضن له مستقبلاً .
هل تخيّل احدنا - مجرد تخيّل - ان تتعرض احدى الخادمات الى صفع وحبس وضرب رأسها بالجدار ؟ وهناك من الاساءات ما هو اقسى من هذا كأن تعمد احدى المخدومات الى كيّ – نعم كيّ – خادمتها بالنار لمجرد انّها تأخرت في انجاز مهمة ما ! والمصيبة الكبرى تتمثل في تعاون الزوجين في اهانة وضرب الخادمة حدّ الايذاء الممكن ان يسبب عاهة جسدية او نفسية .
انّ المنهج النبوي أرسى قواعد عادلة في التعامل مع هؤلاء البشر كما وصف لنا انس خادم الرسول الاكرم صلي الله عليه وآله وسلّم بقوله : خدمته في السفر والحضر ما قال لي شئ صنعته لم صنعت لي هكذا ولا لشئ لم اصنعه لمَ لم تصنع هذا هكذا ؟