العدد 1633
الخميس 04 أبريل 2013
عقول مؤجرة محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الخميس 04 أبريل 2013

للمفكّر العربيّ الراحل زكي نجيب محمود مقولة رائعة أرى انها تحفر في واقعنا العربيّ بعمق شديد ملخصها أنّ عقل المتعلم العربيّ عبارة عن غرفتين متجاورتين وبينهما جدار سميك بحيث لا ينفذ منه شئ لشئ آخر.. يعني في جانب منه هناك المعلومات العلمية بينما يستقر في الجانب الآخر منه الاحباطات والغرائز الشعبية والموروثات غير المدققة فيه . فيتحدث الرجل وكأنه لم يدرس علما من العلوم لأنّ الجانب الآخر من الغرفة مغلق .
المعنى الذي تشير اليه القصة السابقة انّ عقل الانسان العربيّ اصبح مستودعا لتخزين المعلومات فقط . وانّ الجدار السميك بين الغرفتين منع اي تفاعل للعقل وهي حالة تكشف عن أزمة مستفحلة .
نستطيع ان نقرر بأنّ عقول الكثيرين أصبحت كأنها مؤجرة كالشقق المفروشة للغير كالزعيم السياسي أو رئيس الحزب او حتى رئيس الجمعية الدينية وبالطبع فإنّ النتيجة الحتمية هي أننا كأمة أصبحنا في مؤخرة الكون على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية ناهيك عن العلمية والتكنولوجية . وطالما انها عقول عاطلة عن التفكير والعمل والتأمل فإنها اصبحت « أرضا خصبة للأدلجة والاقتياد وهي أكبر مصيبة أصيب بها المجتمع الاسلامي «. الأغلبية  مؤجرين لعقولهم بالمجان حتى أصبحت كالمرافق يستأجرها من يشاء « .
إنّ السؤال هل نحن من نقرر مصائرنا أم ندع الآخرين من يقررون لنا طريقنا ومستقبلنا ؟ في الرواية العالمية الشهيرة «مزرعة الحيوان « تطرح الاشكالية السالفة وتدعو الى التفكير جديا في الافكار التي يطرحها الآخرون أكانوا زعماء ام سياسيون او غيرهم .وأنّ الانسان طبقا لمؤلف الرواية قادر على تصحيح مسار حياته والتغلب على المصاعب من خلال السلوك السهل وهو ان يفكر ويمارس حق التفكير وحده ولا يدع الآخرين يفكرون بالنيابة عنه.
وجميعنا بلا شك طرقت اسماعهم شخصية البهلول تلك الشخصية الذائعة الصيت في تراثنا العربي والتي اقترنت في الاذهان بوصفها تلك الشخصية الفاقدة للإرادة واتخاذ القرار .. ونعتقد انه لا مشكلة مع هذا الرجل الذي يقوم شخص بلف حبل حول رقبته ثم يجره كالبهيمة الى حيث يراد له ان يكون ..لاسباب منها انه بسيط في تفكيره يسير بين الناس بنصف عقل او بعقل ناقص وبالتالي فإن بإمكان أي شخص ان يقتاده الى حيث يشاء . لكنّ المعضلة الكبرى مع من منحهم الله تعالى نعمة كبرى المتمثلة بالعقل كيف قبلوا ان يعطلوا هذه الملكة العظيمة أو كما قال البعض بتأجيرها شقة مفروشة لآخرين ؟ والادهى أنّ هؤلاء قد يكونون من ذوي النوايا الشريرة او اصحاب المشاريع الضالة والشريرة ؟ كيف سمحوا ان يصبحوا مجرد ادوات تحركهم شهوات هذا البعض يتحكمون بهم ويفكروا بالنيابة عنهم ؟
في القرأن الكريم ذكرت كلمة العقل في عدة مواقع بلغت زهاء خمسين مرة .وذكرت أولي الألباب – أي العقول – بضع عشرة مرة وكلمة أولي النهى – جمع نهية – أي العقول مرة واحدة لكن البعض يمر عليها دون ان يتأمل في ابعادها ومغزاها العميقين . انّ من اكبر عاهات العقل العربيّ الراهن انّ الناس توقفت عن التفكير وجعل الآخرين يفكرون عنا بالنيابة .وهي كارثة بكل المقاييس .
المشكلة انّ تعطيل العقل أو التفكير بالنيابة خلق لدينا جيل فاقد الثقة بنفسه وبالآخرين وبالتالي فإننا بقينا نستهلك افكار الآخرين والتي هي ليست بالضرورة حكيمة ولا سديدة . أما الأخطر فإنها تخلق جيلا من الاتباع تقتفي آثار الآخرين دون بصيرة . وليس بعيدا عن هذه القضية أنّ من اسباب المشكلة هو أنّ الاغلبية تحولّوا إلى مرضى الإذعان للغير أي الاستسلام والمسايرة . 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية