العدد 2180
الجمعة 03 أكتوبر 2014
داعش و تهديداتها لدول الخليج العربي د. باقر النجار
د. باقر النجار
عمود أكاديمي
الجمعة 03 أكتوبر 2014

هل الخليج بعيدا عن تهديد دولة الخلافة في العراق و بلاد الشام..؟، و هل يكفي مشاركة جل دول المنطقة في عمليات التحالف ضدها في صد تهديداتها للمنطقة....؟ و إذا ما  كانت دول المنطقة قد استطاعت أن تفلت خلال العقود الخمسة أو الستة الماضية من تهديد التيارات القومية و من ثمة التيار الناصري و جماعات اليسار  في خمسينيات و ستينيات و لربما سبعينيات القرن الماضي فهل هي قادرة في تجاوز التهديد الداعشي...؟.
فالمد الإسلاموي في عموم المنطقة العربية والذي جاء مع قيام الدولة الاسلامية في إيران، تمدد و تقوى في المنطقة بفعل التحالف الذي نشأ بين الدولة العربية أو بعضها و الجماعات الإسلاموية في مواجهة التيارات اليسارية و دول ذات نزوع ماركسي في أفغانستان و جنوب اليمن. فإذا ما  استطاعت المنطقة في تفادي صيحات تصدير الثورة بعيد الثورة الإيرانية فهل تستطيع دول المنطقة في صد التهديدات القادمة لها من الشمال، رغم “تهوين” البعض لها. إذ بتنا الآن أمام الجيل الثالث من السلفية الجهادية وهو جيل قد استطاع خلال  السنوات الثلاث الماضية أن يعبأ الشارع المحلي لصالحه و أن يقيم و لأول مرة في تاريخ المنطقة  دولته و التي باتت تقوي من حضورها مع الوقت. كما أننا بتنا في مواجهة جماعات لم تُصدر لنا أفكارها من الخارج بل هي في واقعها نتاج سياقات اجتماعية و سياسية و ثقافية تشكلت في مجتمعاتنا بل نتاج احتضان غير مدروس لتيارات و جماعات باتت عواقبها على المنطقة عظيمه.
لقد ساهم أسقاط النظام الملكي في أفغانستان في أطلاق كل اشكال النوازع المنفلتة من التضامنيات التقليدية: القبلية و العرقية و الطائفية و هي نوازع لم تنتهي حروبها حتى في أفغانستان حتى مع أسقاط طالبان و القاعدة على يد التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية بعد تدمير أبراج نيويورك على يد ارهابيي القاعدة. بل أن المخاوف لازالت قائمة رغم مرور ثلاثة عشر عاما، فالكثير من الساسة الأفغانلا يخفون مخاوفهم من أن انسحاب قوات الولايات المتحدة الأمريكية سيقود إلى سقوط النظام الافغاني سريعا في يد الجماعات الطالبانية. ألم يقُد سوء إدارة و فساد  الطبقة السياسية العراقية  و تكالب أحزابها نحو مصالحها الفردية و الحزبية و الطائفية  الضيقة بالإضافةلانسحاب القوات الامريكية إلى ما هو عليه العراق الآن. بل أن حجم الاختراقات التي أحدثتها طالبان في النظام و القوات الافغانية سيقود إلى سيناريو شبيه بسقوط الموصل و محافظات الغرب العراقي في يد الجماعات الداعشية و القبلية و البعثية العراقية. أن القوة التي باتت عليها الجماعات الطالبانية في أفغانستان و الباكستان إن هي إلا انعكاس لحقيقة أن الجماعات القبلية في كلا البلدين قد اصبحتا أحد أهم البيئات الحاضنة ليس فقط للجماعات الطالبانية و إنما للفكر و التفسير المتشدد للدين الاسلامي و ثانيا فقد تشكل على مدى العقود الثلاثة الماضية بيئة دينية قد أتسمت بالمحافظة و تمتلك كل مقومات البقاء المادي و اللوجستي. وهي قد استطاعت ان تكون في غنى عن أي مساعدات مالية أو لوجستية رسمية بفعل حجم الدعم المتأتي لها من الجوار الاسلامي. بل أنها باتت  منالامتداد و الكبر بحيث يصعب على النظام في كلا البلدين ضبطها و كبح جماح تمددها.
ما نريد قوله هنا أن حرب التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية على دولة الخلافة في بلاد الشام و العراق قد يكلل بالنجاح من الناحية العسكرية كما تم ذلك في السنوات الأولى التي تلت القضاء على دولة طالبان، إلا أن ألفشل في تفكيك البيئة الاجتماعية و الثقافية و الدينية  للفكر و الممارسة الطالبانية بالإضافة لفساد  الطبقة السياسية التي جاء مع الاجتياح الامريكي لأفغانستان قد أعاد القوة للجماعات الطالبانية حتى باتت تهدد وجود النظام الجديد. و بالمثل فأن  القوة العسكرية قد تميل لقوى التحالف في مواجهة “دولة الخلافة”، إلا أن المواجهة الحقيقة تتمثل في قدرة  الدولة في الخليج على تفعيل القطيعة مع  المنظومة المؤسساتية و الفكرية التي باتت “مفرخة” لكل  قوى التطرف الديني و السياسي في مجتمعات الخليج العربي. فليس سرا القول أن منطقة الخليج قد كانت البيئة الحاضنة لكل القوى الاسلامية المطاردة في البلاد العربية ، و هي فلول /قوى ساهمت في  البناء الفكري و السياسي للجماعات الاسلاموية الخليجية. كما أن  أنتشارها في النظام التعليمي بمستوياته المختلفة يفسر بعضا من عمليات التشكيل الفكري الذي باتت عليه الاجيال الخليجية الجديدة. وهي قوى قد وظفت في بعض مجتمعات المنطقة في الصراع مع الداخل أو في الصراع مع الخارج.
 بل أن بعضا  من قياداتها المحلية قد تسنم بفعل ذلك قيادة الكثير من المؤسسات الرسمية التي تم توظيفها من قبلهم  في رسم سياسات الجماعة  و تحالفاتها في الفضاء المحلي و الإقليمي، بل أنها باتت تعتبرها مكافئة لأدوارها الوظيفية...  و إذا ما كانت هذه التحالفات قد نُسجت مع قيادات وجد البعض فيها قدرا من “الاعتدال” السياسي رغم  سمة اللا مرونة في مواقفها الاجتماعية و تصلبها الديني. إلا أن هذه الجماعات ككل القوى السياسية الشمولية و بفعل الضغوط التي تخضع له فأنهابالضرورة مؤهلة”لتفريخ” جماعات و أجيال جديدة تتصف عادة بالتطرف و عدم الانتظام. بل أن سياقاتها الفكرية و السياسية تدفع نحو مزيد من التطرف في الافكار و المواقف. أي بمعنى آخر أن الاجيال الجديدة من الجماعات السلفية الجهادية قد باتت أكثر تشددا  في تفسير النصوص الدينية و أكثر نزوعا نحو تبني العنف  مع كل المختلف الديني و السياسي و الاجتماعي.
فالحركة الإسلاموية في منطقة الخليج تمتلك بنية واسعة من المراكز الدينية: و التي تأتي على شكل مراكز لتحفيظ القرآنومراكزتبليغ و مساجد فرعية، غالبا ما تكون في الأطراف،البعيدة في أنشطتها عن المراقبة الرسمية، وجلسات وعظ  رسمية و غير رسمية. كما أسند لبعضها مواقع الاشراف على المناهج التعليمية التي جاءت في الكثير من مضامينها متسقة مع المواقف الفكرية و التفسيرات الدينية المتشددة لهذه القوى. بل أن البعض يعتقد أن بعض المشاهد التي باتت تعتبر متشددة لممارسات “الدواعش” في سوريا و العراق هي  في بعضها جزءا مما تحمله كتب الدراسات الدينية في بعض منمجتمعاتنا....فالتشدد هو في واقع أمره نتاج لتلك البيئة التي صيغت تحت أعيننا أحيانا و برضى منا ،غير مدركين حينها بتبعات ذلك على مجتمعاتنا على المدى المتوسط و البعيد. و تكشف فيديوهات ما يسمى  “بالمجاهدين” الخليجيين، في بلاد العراق و الشام، التي تأتي الينا عبر اليوتيوب حجم التهديد الذي يحمله هذا التنظيم للحكم و المجتمع  بكل مكوناته في مجتمعات الخليج .
بمعنى آخر أن القوى الاسلاموية و بفعل تمفصلها في السياق المؤسساتي الرسمي  كما هوحضورها القوى الخيري و التوعوي و قدرتها على الوصول لجماعات العوز  في الكثير من مجتمعات المنطقة قد جعل منها قوة ذات تأثير  في أوساط قطاعات واسعة في المجتمع. و يكفي القول أنعمليات التشكيل الفكري الذي خضعت له المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية قد جعل التعاطف وفق الاستفتاءات غير الرسمية في بعض مجتمعات المنطقة لدولة الخلافة و ممارساتها عاليا.  كما أن تعبير بعض ناشطي أو المتعاطفين مع السلفية الداعشية بات واضحا في بعض المجتمعات الخليجية التي تسمح لها بالتعبير عن حضورها.
خلاصة القول أن التهديدات القادمة لمجتمعات المنطقة من داعش هي تهديدات جدية لا يمكن التهوين منها لاعتبارات ذاتية أو عصبوية. فقد  لا يمتلك التنظيم قوة عسكرية كاسحة مقارنة بدول الخليج و الولايات المتحدة الأمريكية  إلا أن الخطورة الكامنة له تتأتى من حقيقة قدرته عبر قنواته الفكرية و القبلية و المذهبية على أحداث اختراقات مهمة و خطيرة في عمق هذه التجمعات ، فهو قد وظف فترة السماح في المرحلة السابقة ليحدث ذلك و ليكسب قطاععلى مستوى المؤسسة الدينية و المجتمع و ليخلق قدرا من التعاطف معه بل و المؤيد لما يسمى لانتصاراته في العراق و الشام و اليمن.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .