لا يمكن أن تستفيد دول الخليج المشاركة بالتحالف الدولي استراتيجيا ضد تنظيم داعش والقاعدة إلا إن كان مضمون هذا التحالف بحقيقته موجها للتنظيمات الإرهابية كلها دون استثناء في المنطقة أما عملية اجتزائه فستؤدي إلى حالة من السذاجة وذلك بترحيل النتائج الى أطراف أخرى كوعاء يستفيد من جهد الآخرين دون أي جهد يذكر.
رغم حضور تركيا مؤتمر جدة الأخير الخاص بالتحالف لمكافحة الإرهاب وعدم اعتراضها على بنوده إلا انها نأت بنفسها عن المساهمة المباشرة بضرب تنظيم داعش عسكريا بحجة وجود (49) رهينة من الدبلوماسيين من مواطنيها لدى التنظيم إلا أن سرعان ما جاء نبأ فك أسرهم لاحقاً “بصفقة لم يعلن عن ماهيتها الى الآن - قيل إنها ضمن عملية تبادل أسرى لدى مجاميع مسلحة أخرى ترتبط بتركيا - مما وضع تركيا إعلاميا تحت طائلة الاتهام بعلاقاتها مع المنظمات التي توصف بالإرهاب. وعلى الأرجح ستسعى تركيا نحو مصالحها التي ذكرت مسبقا وتوازنها مع مشاركتها بالحلف عسكرياً من عدمه فالأمر برمته يقاس بالمصالح السياسية المتحققة لها لا بالعاطفة التي تتوقعها الشعوب منها وما أكثر نسيانهم.
أما إيران التي لم تدع الى مؤتمر باريس لمكافحة الإرهاب فقد أرادت أن تتماهى شكلياً “كعادتها” بإظهار امتعاضها من عدم دعوتها للمشاركة! وهي الموجودة على أرض الحدث في البلدين سوريا والعراق مسبقا! وكأحد المسببات الرئيسية في نشوء المشكلة من الأساس بتدخلها في البلدين وبدعمها للمنظمات الإرهابية بغض النظر عن آيديولوجيتها طالما أنهم يحققون أهدافها في النهاية، وإن كانت تميل بشكل استراتيجي نحو التنظيمات الشيعية كبعد مذهبي وكسمعة تحقق لها التوسع! على النقيض من ذلك وقفت المملكة العربية السعودية على مسافة واحدة من جميع التنظيمات التي اعتبرت إرهابية دون النظر الى مرجعيتها المذهبية بل الفكرية والعملية. ومن كان يتهم السعودية زوراً برعايتها لتنظيم داعش سقط بوحل جهالته وهو يشاهدها تشكل أحد المحاور الأساسية في محاربة التنظيم!
لم ترد إيران التورط في العراق وسوريا عسكرياً عن طريق دخولها المباشر المكثف واكتفت بجزء من ميليشياتها “الحرس الثوري” وبالميليشيات التابعة لها على أرض البلدين وبالدعم اللوجستي تحسباً من خطة أن تستنزف هناك أو أن تكون الهدف المقبل للتحالف الدولي ضدها باعتبارها انتهكت القوانين الدولية في حال حصلت تقلبات في السياسة العالمية تجاهها! “رغم تغاضي القوى العالمية عن تدخلاتها الى الآن ضمن صفقات توازن القوى في المنطقة محسومة سلفاً وتحت ذريعة التعاطي مع الملف النووي الإيراني” وطالما أن هناك من سيقوم بالدور نيابة عنها بمحاربة أعدائها في البلدين فستقف موقف المتفرج المتبرم شكلياً الى أن تتضح نتائج التحالف حينها ستتخذ موقفا يناسب الحدث.
القضاء على تنظيم داعش والنصرة في العراق وسوريا يفيد الجانب الإيراني بحالة واحدة إن أصبحت نتائجه تصب في صالح النظام السوري الحالي (أو من سيخلفه يكون مرتبطا بها) وتصب في صالح حكومة عراقية غير شاملة وتابعة لها بأي شكل من الأشكال أي كالتي كانت متواجدة مسبقاً. والعكس صحيح تماماً. يعتمد الأمر على نوايا سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الحالي ضد تنظيم داعش! لذلك استبقت ايران النتائج على الأرض بتموضع استراتيجي جديد لها بالجزيرة العربية من خلال تحريك أحد بيادقها المتمثل بميليشيا حركة أنصار الله “الحوثيين” وسيطرة الأخيرة على العاصمة اليمنية صنعاء (تحت نظر وسكوت القوى العالمية أيضا واستغلالاً لحالة التناحر القبلي وتصفية الحسابات السياسية داخليا وإقليمياً!) وحلمهم بإقامة دولتهم الجديدة (جزء من شمال صنعاء باتجاه عمران وصعدة شمالاً ومحاذاة الى جنوب المملكة العربية السعودية وغربا باتجاه مياه البحر الأحمر!). فهل سيطالهم التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب يا ترى؟! أم أن تفاهمات اللعبة السياسية تقتضي غض الطرف عنهم!.
إيلاف