العدد 2175
الأحد 28 سبتمبر 2014
نحن أسرة إنسانية واحدة عبدعلي الغسرة
عبدعلي الغسرة
الأحد 28 سبتمبر 2014

احتفل العالم منذ أيام باليوم العالمي للسلام، وبالرغم من الحروب الكارثية والصراعات المأساوية أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يومًا لتعزيز مُثل السلام، كجزء لا يتجزأ من أهداف إنشاء هيئة الأمم المتحدة وميثاقها الذي نص على “منع نشوب النزاعات الدولية وحلها بالوسائل السلمية، والمساعدة على إرساء ثقافة السلام العالمي”. ودعت الأمم المتحدة كل الأمم والشعوب إلى الالتزام بوقف الأعمال العدائية خلال هذا اليوم. إن السلام منافٍ للحرب والدمار، الدمار الذي يفني الناس، بينما السلام حق، حق الحياة لجميع الناس، وإرساء الأمن الجماعي الكوني لجميع البشر، السلام عنوان التمدن الحضاري الإنساني، وينشر الطمأنينة في نفوس جميع البشر ليعيشوا في عالم خالٍ من كل التعصبات العرقية والدينية، يعيشوا في بلادٍ كوني واحد خالٍ من الحروب والصراعات، الجميع يد واحدة تبني وتعمر الأرض لا تفسد فيها ولا تدمرها.
ونحن نحتفل بهذا اليوم الجليل، نتساءل، أين تقف البشرية المنكوبة؟ وإلى أين تسير؟ إن قادة دول العالم منهمكون في عقد مؤتمرات السلام بينما دولهم تنتج الأسلحة التي يستخدمها أناس لقتل الآخرين. العالم يفتقد إلى حلول عصرية لكل ما يتدفق من تحديات عالمية وتحولات جذرية وتغيرات عميقة في مصطلح العلاقات الإنسانية والدولية، تحديات جديدة تضرب بلا هوادة في أعماق الفكر الإنساني والروحي باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وباسم كل الأديان ومذاهبها، فبدا العالم يترنح في سيره نحو منعطف هو الأحرج والأخطر في تاريخ الكوكب الأرضي بعد أن تعاظمت الصراعات واشتعلت نيران الصراعات وازداد سواد الحروب المعلنة والخفية.
لقد تسببت التعصبات في تشتت شمل الأسرة الإنسانية وأوجدت لنا خليطًا مشوهًا من الهويات الثقافية والإثنية والدينية، وكل يوم يمر بنا يتفاقم خطرها ويستعر لهيبها ليحرق العالم كله، ولا سبيل لدرء هذه المخاطر إلا بشد أزر الجميع، ولا يمكن لقيم التسامح أن تطفئ نار التعصبات لكون البغيض فاقدا لهذه القيم، وخير طريق لاجتثاثها هو الاتحاد ضدها والاتفاق على تدميرها أين ما كانت وستكون. حتى يحظى الإنسان أين ما كان بحياة آمنة ومستقرة وكريمة، فحق الإنسان في العيش بسلام هو حق أساسي كفلته له قيمته الإنسانية لا يستثنى منه شخص أو طائفة ما، وذلك من خلال نشر مفاهيم وقيم التسامح والعدل والتآخي والتعايش، بما يضمن الانتقال من ثقافة الاقتتال إلى ثقافة السلام بأركانها الأربعة (إقرار السلام، صنع السلام، حفظ السلام وبناء السلام)، وهي الثقافة التي تسمح بوجود الآخر واحترامه حتى تنصهر كل الفروق والاختلافات بين البشر في إنسان واحد فقط. إن تعزيز الأمن والسِلم الدوليين من أجل عالم يسوده التفاهم والوئام والمحبة والتسامح والكرامة والحرية والعدل والسلام، من أجل إنقاذ الإنسانية مما يتهددها من مخاطر الحاضر والمستقبل. وهذا يتطلب استلهام المبادئ الإنسانية وقيم التراث الفكري والأخلاقي للثقافات والحضارات في رسم السياسات وإقامة العلاقات بين الدول والبشر بما يُحقق الأمن والسِلم ويضمن الرخاء والازدهار للأمم وشعوبها.
إن السلام ينشأ في العقول، وبالتربية والثقافة الهادفة والعلوم المُبدعة تزهر العقول، ولا يزدهر السلام إلا باحترام الكرامة الإنسانية. إن الأرض وطن واحد لجميع البشر وحضارته بانية للسلام، والجميع إخوة في الإنسانية والسلام، فبالسلام نعيش ولأجله سنعيش.
أي دعاء يا إلهي يزيل كرب الكون وأهله بعد أن اشتد الظلام الحالك على كل الممالك، واحترقت الأرض من رذاذ النفاق، واشتعل رأس الطفل شيبا بعد أن كثر الجدال ودارت دوائر القتال، فالدماء مسفوكة والجثث في كل أرض مطروحة ولا من مُسعف للأبدان المجروحة، وتؤخذ النساء سبايا وتقدم الرؤوس هدايا. أي دعاء يكشف هذا الظلام وتشرق علينا أنوار السلام، وينقذنا من غمرات بحر البغضاء ومن جيوش الدهماء، أي دعاء نرفعه ليؤلف بين قلوب العالمين وينصرنا على الظالمين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .