العدد 2221
الخميس 13 نوفمبر 2014
عن سياسات أميركا بعد فوز الجمهوريين إميل أمين
إميل أمين
الخميس 13 نوفمبر 2014

مع الفوز الكاسح الذي حققه الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي في الأيام القليلة الماضية يحق لنا أن نتساءل هل ستتغير السياسات الأميركية في المنطقة العربية أم لا؟
المؤكد أن الخطوط الفاصلة آيديولوجيا بين الجمهوريين والديمقراطيين ليست عريضة بالشكل الذي قد يتوقعه البعض، ذلك أن «المظلة البراجماتية» للسياسات الأميركية، تظل هي حاكمة المشهد أبدا ودوما، ورغم ذلك فإن المعالجات لعدة قضايا ربما تختلف بين الفريقين.
عدة قضايا شرق أوسطية مثيرة للجدل في مقدمتها مواجهة الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، سيتحتم على الجمهوريين، أن يطرحوا فيها رؤى وتوجهات مخالفة حتما لما مضى فيه باراك أوباما.
فعلى سبيل المثال لعب الجمهوريون في الانتخابات الأخيرة على وتر الإرهاب، في محاولة لاستقطاب المواطن الأميركي إلى زمن دولة الأمن، وامبراطورية الخوف، التي أرسى قواعدها بوش الابن، ويبدو أن هؤلاء نجحوا بالفعل، في ملء فجوات عقول الأميركيين، غير المؤدلجين أو المثقفين، وهم يتجاوزن نسبة الـ 90 % من الشعب الأميركي، ولهذا جاء التصويت كتسونامي لصالحهم، والآن ينتظر الأميركيون جوابا عن سؤال هل سيعلن الكونجرس حرباً برية على داعش؟
يعلم الحزب الجمهوري جيداً أن العامين القادمين أخطر من أعوام أوباما الستة المنصرمة، ذلك أن الإعداد والتجهيز يمضي قدما للانتخابات الرئاسية 2016، وعليه فليس أمامهم للعودة إلي البيت الأبيض، سوى تقديم أفضل ما لديهم في الداخل والخارج، وإلا فإن ظهور شخصية كاريزماتية ديمقراطية كفيل بتغيير المشهد في نوفمبر 2016 فيما يخص الرئاسة والكونجرس في غير صالحهم.
قضية أخرى تمثل بلا شك حجر عثرة بين أوباما وبين الكونجرس الآن، وتتشابك وتتقاطع مع أطراف شرق أوسطية متباينة المصالح ومتضاربة المشارب مثل طهران وتل أبيب، ونقصد بها قضية البرنامج النووي الإيراني، فقد جاءت سيطرة الجمهوريين على الكونجرس بمجلسيه قبل خمسة أيام من لقاء جواد ظريف مع جون كيري وكاثرين أشتون، وقبل ثلاثة أسابيع من انتهاء المهلة التي تم تخصيصها للمفاوضات بين إيران والدول الست.
إشكالية قضية البرنامج الإيراني، تتصل بالرئيس الأميركي خالي الوفاض من أية إنجازات سياسية خارجية يمكن لها أن تسهل مهمته في دخول كتاب «القياصرة الأميركيين».
لكن الجمهوريين المتشددين سيكونون له بالمرصاد، ناهيك عن أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو قد بدأ بالفعل هجوما لتحريض الكونجرس الجديد ضد أية صفقة مستقبلية مع إيران، فالمسألة بالنسبة له هي حياة أو موت، ولذلك بدأ مبعوثون في واشنطن تجهيز بيانات مستعجلة يطلبون فيها من المشرعين الأميركيين العمل بسرعة لصالح أصدقائهم في تل أبيب، وسريعا جدا بدأ الفاعلون داخل الإيباك، التوجه إلى مكاتب النواب والشيوخ وهم يحملون في أيديهم توصيات نتنياهو.
ومن بين القضايا المعلقة، والتي يبدو أوباما فيها حائرا، ما يتصل بالأزمة السورية، التي تمثل جرحا غائرا في الشرق الأوسط فلا رؤية يمتلك، ولا مقدرة على اتخاذ قرار بالهجوم الشامل، حيث القضية مرتبطة بكيانات دولية كبرى، عطفا على الخوف من المجهول الأشد هولا، حال غياب الأسد الذي معه أو بدونه لن تستقيم الأمور في تقدير الرئيس أوباما، ولهذا سنشهد حتما نزاعا حاداً بين الكونجرس الجديد وبين البيت الأبيض، خصوصا في ضوء اتساع الفجوة بين البنتاجون والبيت الأبيض حول مصير الأسد، فمنذ أسبوعين قدم وزير الدفاع تشاك هيجل مذكرة من صفحتين إلى مستشار الأمن القومي، سوزان رايس، قال فيها ـ متهما أوباما من طرف خفي ـ إن عدم الوضوح يعقد جهود الولايات المتحدة لمكافحة جماعة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ولهذا تضحى تسريبات البيت الأبيض للنيويورك تايمز، حول نية أوباما إقالة هيجل وكيري دفعة واحدة أمرا طبيعيا.
ملف آخر محتقن، وإن كان البعض يواريه في واشنطن، يتصل بالعلاقات الأميركية ـ الخليجية عامة، والسعودية خاصة، إذ ليس سراً أن هناك حالة من ضعف الثقة بدرجة أو بأخرى بين عدد من العواصم الخليجية وبين واشنطن، جاءت بها المقادير بعد زمن «الربيع العربي المغشوش» الذي دعمته أميركا سرا وجهراً، وتسببت فيها كذلك المناورات والمداورات الأميركية الإيرانية من ناحية أخرى.
أما عن الجمهوريين والمملكة العربية السعودية فالأمر جد مثير وخطير فالمتابع لبعض الأوراق الصادرة عن مراكز بحثية يمينية التوجه، وحتى من يمين الوسط، يجد أن هناك من يعيد القراءة في أوراق الحادي عشر من سبتمبر، وعلاقة السعوديين بالحادث، مع ما لهذا الأمر من مخاطر مستقبلية، وربما استخدامه كأداة للتهديد والوعيد، الخفي تارة، والظاهر تارة أخرى، وحال وضع تلك القراءة الخطيرة، مع اللعب على أوتار الطائفية في المملكة، كما جرى مؤخرا في حادثة الأحساء، يخلص المرء إلى قلق عميق.
هل لنا أن ننسى مصر المحروسة؟ بالطبع لا، فربما تكون العلاقات المصرية ـ الأميركية أفضل حالا في ظل كونجرس جمهوري، فالجمهوريون بدرجة أو بأخرى، رفضت غالبيتهم، دعم أوباما وإدارته المخترقة لتيار الإسلام السياسي، والعلاقة مع الإخوان المسلمين، وما كتبه مارك سيفر مؤخرا عن رؤية العالم للرئيس السيسي، ربما يعد بادرة إيجابية لعلاقة نوعية متميزة، يتحتم على الجمهوريين إنقاذها من وهدة الأوبامية الفاشلة داخليا وخارجيا.
هل سيتحول أوباما في العامين القادمين إلى بطة عرجاء؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية