لعل زيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة الأيام القليلة الماضية إلى موسكو تعد حدثا مهما واستراتيجيا على صعيد العلاقات السياسية الدولية الخارجية لمملكة البحرين، لاسيما أن روسيا تلعب اليوم باقتدار أدوارا فاعلة ومؤثرة على صعيد العلاقات الخليجية والشرق أوسطية والعربية وكذا على الصعيد العالمي.
والشاهد أنه عبر عدة عقود طوال كان الرهان على الولايات المتحدة الأميركية بمفردها، وهو الأمر الذي أثبتت التجربة التاريخية عدم صوابه، وها قد حان وقت نشوء وارتقاء علاقات عربية روسية جديدة، تختلف شكلا وموضوعا عما كان قائما في ستينيات القرن المنصرم من علاقات مع الاتحاد السوفيتي.
ولعل صاحب السمو الملكي ولي العهد كان بارعا في الحكم على روسيا، لا على أساس تقدمها التكنولوجي، أو أسلحتها التي تضاهي وأحيانا تفوق الأسلحة الأميركية، بل كان منطلق حكمه هو أن روسيا بلد ثقافة وفنون وتاريخ، وقد أصاب بشكل مؤكد في تحديد جوهر الامبراطورية الروسية، ذات الأبعاد التاريخية الحضارية، وذات المنظومة القيمية والأخلاقية.
والثابت أننا لا نذيع سرا إن قلنا إن غالبية العوالم والعواصم العربية، أعادت النظر في رؤيتها السابقة للروس، خصوصا بعد ثلاث سنوات عجاف من ذاك الذي أطلق عليه “الربيع العربي”، وفيه تخلت واشنطن عن حلفاء قدموا لها خدمات جليلة طوال عقود هذا عددها، كالرئيس المصري حسني مبارك، في حين بدا على السطح أن التحالف الروسي السوري كان أوثق وأمتن بمراحل عديدة ومتقدمة، ولم يتخل الروس عن حليفهم الأسد، بغض النظر عن نظرتنا له وتقييمنا لما يجري في بلاده.
هل يعني الانفتاح البحريني على روسيا اضطرابا في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية؟
بالقطع لا شكلا وموضوعا، بل الأمر من قبيل احداث توازنات في العلاقات البحرينية الخارجية بين القطب القائم وذلك القادم بعد أن نفض عنه غبار الأوليجاركيات المتعددة التي حاولت خنقه ووأده في تسعينات القرن المنصرم.
كما أنه حتما ستصب عملية تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين المنامة وموسكو، في صالح البلدين لاسيما أن كل محاولات التضييق الأميركية على روسيا في الفترة الأخيرة ستذهب سدى، وليس أدل على ذلك من أنه في الوقت الذي يزداد فيه عجز ميزان المدفوعات الأميركي وتتراكم الديون على كاهل الحكومة الفيدرالية في واشنطن، يرتفع حجم الاحتياطيات الروسية الدولية التي تتكون من العملات الصعبة والذهب، وحقوق السحب الخاصة، بمقدار 0.7 مليار دولار في الفترة من 18 إلى 25 أبريل الماضي لتصل إلي 482.7 مليار دولار.
كما أن فائض ميزان التجارة الخارجية الروسية بلغ 31.3 مليار دولار، في فبراير الماضي، وجميعها أرقام تؤكد أن ما يروج له بشأن عقوبات اقتصادية غربية على روسيا، الهدف منه وقف نمو القطب الروسي الذي عاد كما العنقاء من الرماد ولكي يبقى العالم أميركيا بامتياز بحسب وثيقة القرن الأميركي للمحافظين الجدد.
تدرك موسكو اليوم أن الاقتصاد هو بالفعل المحرك الرئيسي في حياة الأمم، ولهذا ترتب أوراقها بعقلانية وهدوء، ودون طموحات امبريالية أو توسعات وحروب عدوانية، ورأيناها مؤخرا تسعى لتطوير الاتحاد الجمركي الذي يتكون من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان إلى اتجاه اقتصادي يجمع بلدان أوراسيا، الأمر الذي سيزيد من فاعلية الدور الاقتصادي الروسي حول العالم.
وغني عن القول إن ما جرى في أوكرانيا ولاحقا انضمام القرم إلى الاتحاد الفيدرالي الروسي، والعجز الأميركي الواضح والفاضح عن الرد، أكد من جديد أن هناك صحوة إيجابية لروسيا، وهي صحوة تتسق في أبعاد عديدة مع المنظومة الأخلاقية العربية والإسلامية.. كيف هذا؟
باختصار غير مخل، تسعى روسيا لتخليق “أممية جديدة”، أممية غير عنصرية وغير طائفية، إنها تسعى إلى التمسك بالأخلاق وقيمها، والمبادئ وتطلعاتها، والتخلص من جميع السلبيات التي جلبها الشعور بالهزيمة في الحرب الباردة التي نشبت بين روسيا والغرب.
مجتمعات أوروبا وأميركا في عيون الروس اليوم مجتمعات تعيش ما بعد المسيحية وما بعد سيادة الدولة وما بعد القيم الأخلاقية، إنها تعيش مرحلة عبادة الرأسمالية لذاتها وملذاتها.
بوتين لم يعد دبا روسيا، بل بات ثعلبا صغيرا سهل الحركة، نافذ القوة، يتطلع لجعل موسكو مركزا للقيم ومقرا لتنظيم إنساني يدعو حكومات العالم للتضامن من أجل حماية التراث الثقافي والأخلاقي وأنماط التدين الإيجابي الخلاق، والحد من ظاهرة انفراط المجتمعات وتحللها أخلاقيا تحت عناوين التعددية الثقافية والتحري الاجتماعي والمساواة الكاملة.
رحلة صاحب السمو الملكي ولي العهد هي رحلة للبحث في الجذور الإنسانية والسياسية الروسية الخلاقة، التي يجب إيلاؤها المزيد من الاهتمام في قادمات الأيام لخير شعبي البلدين، وخدمة المبادئ الخلاقة في المنطقة.