في المقال السابق وضعت أمامك عزيزي القارئ قصة “الشاب التائب” والتي حكى فيها عن عملية غسيل الدماغ التي تتم وتمارس على الشباب في القرى ويستخدمها رجال الدين أمثال المعمم عيسى قاسم لخلق النقيض النفسي والعقلي عند الشباب، وطرد لعادات وأفكار وميول وطنية خيرة اكتسبتها عقولهم السوية في وقت مضى، وتسميم وغرس عادات وأفكار شيطانية، حيث إن الانفلات الفكري هو نقطة الانطلاق للانحلال الخلقي ونشر التطرف والإرهاب.
مشكلتنا الكبرى كدولة ومؤسسات مجتمع مدني ورجال دين شيعة ونوادٍ رياضية ومدارس، أننا تركنا الساحة شاغرة تماما لأمثال عيسى قاسم وعصابة الوفاق وأفاقيها، فوجدوا في الشباب الأرض الخصبة للتغرير بهم والتأثير عليهم، وغرسوا في نفوسهم بذور الطائفية والإرهاب والتفجيرات والفتنة والكراهية للبلد والنظام.
انشغلنا بالحوار وكأنه هو المعضلة الحقيقية، وتناسينا في زحمة الاستجابة للإملاءات والضغوط الخارجية حقيقة مؤكدة، وهي أن خدم إيران وأتباع الولي الفقيه لن يجدي معهم أي حوار ولو عقدنا عشرات الحوارات، لا يجدي معهم غير المبيد..
هم يريدون الكرسي يا سادة وهي الحقيقة التي يجب أن تصدقوها وتقتنعوا بها.
هذه حقيقة شديدة الوضوح والقطع، تسد كل الثغرات التي قد تجعلك في يوم من الأيام تفكر ألف مرة، قبل أن تعطي ثقتك لجماعة الوفاق من جديد..
علينا أن نخرج بتفكيرنا خارج المربع الأمني والذي ندور في فلكه منذ أربع سنين، صحيح أن الحل الأمني قد يكون السبيل لعودة الأمن للشارع، ولكن يجب ألا نعدم الحلول الأخرى، ولا يجب في مجتمع يريد لنفسه النهوض من عثرته أن يعتمد على حل واحد فقط، هناك سياسة الاحتواء مثلا، وهي من أهم المكونات الأساسية للسياسة ولا يمكن لأي نظام حكم يريد الاستقرار أن يتجاهلها أو يبقى دون استخدامها، وذلك من خلال استقطاب أو تبني الشباب الذين غرر بهم وهم في الواقع ضحية لخطاب ايدلوجي مغرق حتى النخاع في الطائفية.
الوضع الدقيق لا يحتمل الكثير من التخبط الذي سيقودنا إلى المزيد من الانتكاسات، انتكاسة قد تلحق بها أخرى، الأهم أن نتعلم أن سياسة احتواء هؤلاء الشباب المضلل والمغيب وبالأخص من هم في القرى، السبيل المنقذ وإحدى الحلول المغيبة عن تفكيرنا، والتي يمكن أن تعطي مردودا ونتائج فاعلة ومضمونة.
آن الأوان لمؤسسات المجتمع المدني ورجال الدين الشيعة والنوادي الرياضية وكل القوى الخيّرة لمواجهة سياسات الاحتواء التي مارسها عيسى قاسم مع شباب القرى بسياسة احتواء مضادة واستيعاب أو استقطاب أو استدراج عناصر الشباب وإقناعهم بأن حل المشاكل والخلافات السياسية تتطلب مشاركة الجميع، وأول العناصر المشاركة في الحل هم أنفسهم، وأن علينا العمل مع بعض لإعداد برامج تعود بالخير على كل المواطنين، بل وتشجيعهم أيضا على القيام بدور قيادي في الحراك السياسي الذي ترعاه الدولة نفسها، مما يعنى السماح لهم بممارسة نشاطات سياسية بشرط احترام القانون ونظام الحكم والاتفاق على تجاوز أخطاء الماضي..
سياسة الاحتواء ليست معيبة ولا نقيصة في حق الدولة، أمريكا استخدمتها مع العراقيين حين غزت أراضيهم، واستخدمتها أيضا مع الأفغان، وأرجوا الإمعان جيدا والتدبير، فأنا أتحدث عن سياسة تختص بالشباب وبالذات من هم في القرى، ومرة أخرى أكرر، مشكلتنا الحقيقية مع رؤوس الفتن والتحريض “فلا تتشطر على البردعة وتترك...”.
لماذا لا نشرع في تشكيل لجنة أو مؤسسة - سميها ما تشاء - تعنى باستقطاب وخلق نوع من النقاشات مع هؤلاء الشباب الذي أصيبوا بعطب في التفكير، الرئيس الراحل جمال عبدالناصر استخدم هذه الوسيلة مع جماعة الإخوان بعد حادث منشية البكري، حين أراد فهم الأسباب التي دفعت “الإخوان” إلى حمل السلاح ضد الدولة، فأمر بتشكيل لجنة مختصة من رجال الدين، والمفكرين، وعلماء النفس، واستشارين ومختصين، قامت بالجلوس مع جماعات الإخوان في السجن لدراسة المسببات لهذا السلوك والتحول الخطير الذي دفعهم للتطرف من خلال باب النقاش والحوار معهم، كما استخدمها أيضا الرئيس السباق حسني مبارك في التسعينيات مع تنظيم الجهاد، وكان سببا فيما بعد في التحول الكبير الذي حدث في تفكيرهم وإعلان قياداتهم من داخل السجن توبتهم من التكفير الجهادي المتطرف، وكذلك الحال حدث في المغرب مع السلفية الجهادية داخل السجون، وفي السعودية مع قيادات القاعدة.
إذا لنبدأ بتحرير تلك العقول فنغسلها وننظفها من السموم التي زرعها نخّاس التحريض عيسى قاسم وزمرته، ومن ثم نتحدث عن الحوار..
علينا أن نستوعب حقيقة مؤكدة وهى أن السياسة الأمنية لن تستطيع محاربة الإرهاب والتطرف والتخريب والقضاء عليهم لوحدها، يجب علينا التنويع في سياساتنا، ولتكن سياسة الاحتواء أول الخيارات المرادفة للسياسة الأمنية..
جربوا قد لا تخسروا شيء، لكن الأكيد الأكيد بأنكم ستكسبون، أما عن مقدار أو حجم أو عدد المكاسب، فهو غير مهم، المهم أن ننجح في إقناع هؤلاء الشباب أن الوطن أبدا ومهما فعلتم به، لن يكرهكم كما كرهتموه، وأنه بقلبه الكبير مستعد أن يحتضن الجميع بمن فيهم من أساءوا له، ما عدا الخونة، فلا مكان لهم في قلبه..