هاتفني بصوت خافت مرتجف وحزين ممزوجٍ بالندم وبصحبة تردد ظاهر وملحوظ من تلعثمه في الكلام، وللوهلة الأولى قال لي: “أريد أن أقدم اعتذاري للقيادة السياسية”!!
أعترف بأني فوجئت وصدمت من كلماته القليلة المقتضبة، واندهشت من احتمال أن يكون المتصل أراد أن يلاعبني أو يستهزئ بي، ليس لأن الأزمة علمتني ألا أثق في كائن من كان وبالأخص من يحادثني من وراء سلك التليفون، ولكن لأني لم أتصور بالفعل أن هناك أناسا قد يستيقظ ضميرهم فجأة ويقررون الاعتذار..
قلت له إذا كنت بالفعل “على بر ونصيحة”، فلتأتِ إلى مكتبي وتعلن اعتذارك أمامي!!في اليوم الثاني وفي تمام الموعد المحدد دخل عليَّ ذا الخمسة والعشرين ربيعا، وقد بدا شاحبا حزينا تبدو عليه علامات الإنسان الشاعر بخطاياه، النادم عليها، يخجل أن يتكلم، وتضغط مشاعر الندم والحزن في قلبه على منابع الدمع في عينيه، حاول أن يتمالك نفسه، ولكنه في النهاية بكى، وكان بكاؤه أصدق تعبيرًا من أي كلام.
قلت له: دع ضميرك يعاتبك ويؤنبك ويلومك، فألم الندم خير من غفلة تشعر معها أنك بخير وأنت لست كذلك، فلا تسكت ضميرك، ودعه هو من يتكلم..قال لي بكلمات قليلة تتخللها دموع وشهقات صغيرة وعبرات: أنا من الذين شاركوا في أعمال العنف ضد قيادتي وبلدي وحملت المولوتوف ضد رجال الأمن، وحرقت، وخربت، وجئت نادما وأرجو أن تصل رسالتي إلى القيادة السياسية، والتي أعلن فيها ندمي عن كل الجرائم التي ارتكبتها يداي..
صدمت مما قاله، إذ كيف له أن يقول هذا، ونحن أول مرة نتقابل فيها، قلت له: لو أن منطقَ ردِّ الفعل عندي هو مقابلة الإساءة بالإساءة، لكان لي معك تصرف ثان، لكني بالفعل أصدقك ولدي إحساس أكيد أن دموعك هي دموع الندم والتوبة، وهي مشاعر صادقة معبرة!!ربما يقول إنسان كلامًا دون مشاعر. أما البكاء، فهو مشاعر دون كلام..
تكلم.. احكِ.. سألته وأنا أزجره: لماذا فعلت بنفسك - قبل وطنك - كل ذلك؟!
قال، في قرية (...) خرجت إلى النور ونشأت وترعرعت وعشت، منذ صغرنا يعلموننا على العنف ويزرعون في داخلنا بذرة الكراهية والبغض المجتمعي، لم يخطر ببالنا يوم أنهم يكتبون بذلك شهادة ضياعنا..أنا من مواليد 1989 ومنذ التسعينات، حيث كنت صغيرا، كانوا يزجون بي في المظاهرات والاعتصامات، وهو السبب الرئيس الذي دفعني للخروج من المدرسة، إذ كيف تتسنى لي المذاكرة والدراسة والمشاركة في المظاهرات والاعتصامات..؟
قاطعته وأنا متسائل: من هم هؤلاء؟؟
جميعا، لا تستطيع أن تحدد المجرم الحقيقي، بدءًا من رجل الدين في القرية، وانتهاء بالأصحاب والزملاء في المدرسة، ومن لا يفعل ذلك أو ينفذ ما يطلب منه، يعيش منبوذاً بين الناس، مهاناً بين الخلق، لا يُسمع له إذا تكلم، ولا يُزوََّج إذا تقدَّم، ولا يُؤبَه له ولا يُلتَفت إليه، بل وحتى أهله يعايرون به..
أعرفتَ حجم المصيبة التي أعيشها ويعيشها عشرات غيري..؟!
فالأطفال اليوم في سن الحادية عشرة فما فوق يتعاملون بالمولوتوف ويقذفون الشرطة به كما يتعاملون مع “البلايستشن”، وقبل أن يخرجوا من المدرسة وينصرفوا إلى البيت، يتواعد العشرات منهم على الساعة والمكان المحدد لممارسة “اللعبة”، يأتي الطفل حاملا زجاجتين من المولوتوف بيده، وفي تمام الساعة السادسة مساء يبدأ “اللعب”!!
ولعلمك هذا الطفل خرج من بيته حاملا المولوتوف جهارا نهارا وأمام أنظار الجميع ورغم ذلك والداه لم يمنعاه!!
ألا بئسا لهؤلاء (قالها بغضب).. كيف لهم أن يُترَكوا ليصنعوا بنا هذا الشيء؟ لقد زرعوا في نفوسنا بذور الشقاق والبغض والحقد والكراهية على وطننا حتى تعذر علينا العيش فيه..أنا أعشق الوطن ولكن أخبئ ذلك الحب والعشق بداخلي وغير مسموح لي أن أبوح بحبي لوطني لأقرب الناس إليه، حتى علم البحرين، في قريتي أصبح من المحرمات؛ لأنه يعتبر علم النظام..قاطعته للمرة الثانية، وقلت له ترفق بنفسك وترفق بي، فأنا إلى الآن لم أعرف سر هذا التغير الكبير في الموقف..
فأجاب، منذ شهر، وقفت لحظة صدق مع نفسي ونظرت بداخلها، وسألت نفسي الأسئلة التالية:
يا ترى ماذا حققت من كل هذه الأفعال؟ وأين أنت من هذا كله؟ ووجدت نفسي تجيبني:
خسرت دراستك، وخسرت وظيفتك وحتى الإنسان التي تحلم بالارتباط بها لا يمكن أن تتزوجها، فأنت من جنيت على نفسك وصنعت ذلك!!
وحتى حين حاولتُ أن أتمرد وأخرج من القرية، وجدت نفسي عائدا بعد أسبوع؛ لأني ليس في مقدوري أن أوفر لنفسي سكنا خاصا لأعيش فيه!!
سألته: لماذا لم تذهب لـ “الوفاق”؟
فأجاب: ومن قال لك بأني لم أذهب، طرقت باب جمعيتهم، وقلت لهم إني أريد أن أعمل وأستكمل دراستي، فساعدوني، وكان ذلك منذ ستة أشهر، وإلى اليوم لم يتصل أحد بي ولن يتصل، أتعرف لماذا؟ لأننا بالنسبة لهم مجرد ورقة ابتزاز تمارس ضد النظام، حين ينتهى منها تُرمى في الزبالة!! ومع كل ذلك لا ألوم قيادات “الوفاق” ولا ألوم رجال الدين في قريتنا، رغم أنهم جميعا تسببوا في ضياع مستقبلي، بل أضع اللوم على نفسي!!أنا اليوم على مشارف الخامسة والعشرين عاما، وأنظر إلى خمس وعشرين أخرى من عمري قادمة، وأتمنى أن أعوض ما فاتني، وأنجح في بناء مستقبلي، وأخدم فيها بلدي، وأعيش في أمن وسلام، وأطلب من يساعدني لتحقيق ذلك.
انتهى كلام هذا الشاب، ولكن كلامي لم ينته؛ لأني في الأصل كنت مستمعا أكثر مما كنت متكلما، وكلامي موجه للدولة: هؤلاء الشباب ليسوا ضحية إهمال الوالدين أو تحريض رجال الدين أو جمعيات وجماعات راديكالية تستغلهم وتقدمهم كوقود نار أو خطاب ديني متخلف معاد لمفاهيم التقدم والحياة، ويعاني أغلبية أفراده من الأمية الدينية، فحسب، بل هم أيضا ضحية دولة تركتهم لعبة في يد هؤلاء يشكلوهم ويصنعون بهم كيفما شاءوا..أنتم مسؤولون أمام الله عن مصير هؤلاء الشباب والأطفال..
المجرم الحقيقي يا سادة ليس هذا الشاب ولا العشرات غيره ولا ذاك الطفل الذي حمل المولوتوف.. المجرم الحقيقي هو علي سلمان، وعيسى قاسم، ورجال الدين من أمثالهم، وأنتم تعرفون مكانهم وعناوينهم..
حاكموهم وحاسبوهم على جرائمهم في حق هذا الشاب وعشرات غيره، وتحويل زهرة شبابنا إلى مسخ مشوه من الحقد والكراهية ضد المجتمع والوطن..
هذا الشاب استرد ضميره ووعى لنفسه، قد يكون متأخرا، ولكن “كل ابن آدم خطاء، وخير الخطَّائين التوّابون”، فمن يمد له يد العون؟ هل تتخلون عنه كما فعلت “الوفاق”؟
إنه شاب يعلن توبته ويعود إلى حضن الوطن من جديد، ويطلب المساعدة، ولزاما على الوطن أن يفتح حضنه ويستقبل كل أبنائه التائبين، فمن يدري.. ربما يكون باب المساعدة لهذا الشاب هو باب أمل لعشرات آخرين..