العدد 2028
الأحد 04 مايو 2014
معــــاناة “السلطــــــة الرابعــــــــة”
في الصميم
الأحد 04 مايو 2014

ربما يوافقني الأعم الأغلب من الزملاء الصحافيين أن الصحافي البحريني هو الوحيد الذي يعمل دون “شهادة ضمان” أي لا رعاية صحية، ولا ضمان اجتماعيا، ولا حياة كريمة، تحفظ لها كرامته في المجتمع، وتحقق لهم حياة آمنة..
 ربما توافقوني أيضا أن الصحافي البحريني هو أكثر الدواب على وجه الأرض، عرضة “للتفنيش” في أي لحظة من العمل لمجرد أن هواه لم يتمازج مع هوى “أرباب” المؤسسة، رغم أنه في أحيان كثيرة يعمد إلى إسقاط قناعاته المهنية لصالح رأي “الأرباب” مدفوعا بالرغبة في الاستمرار بالعمل لاسيما مع عدم توفر البديل الأفضل أو المساوي ماديا ومعنويا.
والحق أن هذا الحال ليس حكرا على الواقع الصحافي في البحرين فقط، بل إنه ملموس بنسب متباينة حتى في أرقى الدول والمجتمعات الأكثر احتراما لمهنة الصحافة، ولكن الفرق أن هناك منظومة ردع قانونية تجيد الدفاع عن حق الصحافي المستلب وتتضامن معه كليا في الحالات التي يقع فيها فريسة لأمزجة أرباب العمل أو نوازع الماسكين بزمام المؤسسة الصحافية.
دعنا نتأمل المشهد البحريني للصحافة حاليًّا.. إحباط ما بعده إحباط، والسبب هو: “الأمان”..!!
وعندما تفقد الصحافة - كما البلد - الأمان، تفقد ظلها، وتدور في فلك الرتابة والإحباط دون رغبة في التطور والإبداع، ولا يمكن - بل أقول مستحيل - أن تتطور صحافتنا في ظل هذا الوضع المزري والمتردي إلى أقصى حد..
إنني لا أتحدث هنا عن الصحافة، وإنما عن الصحافي الذي يصنع الصحافة، ممن كان في طليعة وأوائل المدافعين عن البحرين، فلم يقل شجاعة وتصميما وبسالة عن رجال الجيش ولا الشرطة، وكان درعا من دروع التصدي للمؤامرة التي استهدفت أمن وسلامة هذه الأرض وكان صدا للحملات الإعلامية الكاذبة...
لدينا جيل من الصحافيين يعمل دون أمل وبخيبة للأمال والإحباط، وجيل سابق ترك الصحافة بعد أن يئس من تبدل الحال، يعيش على “الكفاف” بل يعيش في حالة من الضنك الشديد وأوضاعه متدنية جدا.. هذه هي أحوال أعضاء “السلطة الرابعة” يا سادة، فقبل أن تفكروا في قانون للصحافة “متطور”، “متمدن”، “مستنير”.. والخ والخ، ومزيدا من العبارات الرنانة التي تزين الصفحة الأولى، لتعكس واقعا مغايرا، فكروا في تحسين الظروف المعيشية للصحافي والضمانات التي تجعله يتساوى - على أقل تقدير - مع أصغر موظف في الحكومة قضى ثلاث عقود من العمل.
لا أدري هل التعبير والمطالبة بالحقوق الذاتية خطيئة أو جريمة؟
بمعنى أوضح، هل يحق للصحافيين أو النخب الصحافية ممن قضوا جل عمرهم في خدمة “صاحبة الجلالة” أن يصرخوا من الوجع والمعاناة في ظل غياب قانون أو كادر وظيفي يحميهم ويضمن لهم حياة كريمة..؟
إن مسؤولية فك طوق المعاناة والتهميش الذي يعاني منه الصحافيون البحرينيون تقع أولا وقبل كل شيء على عاتق الدولة التي عليها أن تتبنى فلسفة أكثر اهتماما بالصحافيين وتسعى بصورة جدية إلى انتشالهم من الأوضاع المزرية التي تحد من عناصر الحركة والإبداع لديهم، فإذا كانت الصحافة “سلطة رابعة”، فالأجدى أن تعامل كباقي السلطات “التشريعية - القضائية - التنفيذية” على أقل تقدير، أسوة بالكثير من الدول!!
لست ممن يبتدع البدع، بل هو عرف معمول به في معظم دول العالم، في العراق على سبيل المثل، تمنح الحكومة كل صحافي عراقي يعمل في مؤسسة إعلامية وقنوات فضائية ووكالات أنباء وصحيفة وإذاعة ومتفرغ للعمل الصحافي، امتيازات من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية ورفع قدراتهم المهنية، ومنها منح الصحافيين قطع أراضٍ سكنية، وتخفيض على متن شركة الخطوط الجوية العراقية بنسبة 50 %، وعلاج للصحافيين الذين يتعرضون للإصابات جراء العمل الصحافي أو أي إصابات أخرى للحالات الحرجة خارج البلاد، بجانب تحمل الحكومة نفقة زواج كل صحافي أو صحافية.
في مصر، يحصل الصحافيون المقيدون في نقابة الصحافيين على وحدات إسكانية وتخفيض على متن شركة الخطوط الجوية المصرية بنسبة 50 %، بجانب حصولهم وأسرهم على منح أو تخفيض لأداء مناسك الحج أو العمرة، إضافة إلى العديد من التخفيضات والتسهيلات في التعليم لأبنائهم، شراء مستلزمات المنزل من أثاث أو أدوات كهربائية أو اقتناء سيارة، علاوة على راتب تقاعدي من النقابة بجانب الراتب التقاعدي الذي يتحصلون عليه من المؤسسة التي يعملون بها، وفي حال تعرضهم للإصابة تتكفل الدولة بعلاجهم وأن استدعى الأمر أن يعالجوا في الخارج على نفقتها، بجانب صرف التعويضات المناسبة.
في الأردن، تقدم الدولة للصحافيين امتيازات عديدة من بينها، منح دراسية لأبنائهم، ومنح لأداء فريضة الحج والتخفيض على تذاكر الملكية الأردنية بنسبة 50 % والتخفيض في بعض الفنادق والمطاعم السياحية، كما تقدم لأعضائها المساعدات المادية في بعض الحالات وعند الضرورة، بجانب مشاريع إسكانية، حيث قدمت مؤخرا قطعاً من الأراضي للصحافيين بأسعار رمزية علاوة على الخدمات العلاجية للصحافيين وعائلاتهم ممن لا يستفيدون من تأمين صحي آخر، كما تعمل على توفير المعالجة لهم من قبل الأطباء والمستشفيات والصيدليات والمختبرات.
هذه نماذج بل غيض من فيض لأمثلة عديدة لدول قد تكون أقل قدرة اقتصادية من البحرين، ولكن رغم ذلك هي ترى في الصحافي قيمة إبداعية وثقافية وفكرية، تستحق أن تعزز بمكانة اجتماعية وتكريم لائق نظير كل ما تضطلع به لخدمة الوطن وتنوير المجتمع ونشر الحقيقة، وبذلك تستحق أن تعامل بما يليق بأعضاء “السلطة الرابعة” أسوة بباقي السلطات..

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية