تزوج الحجاج بن يوسف هند بت النعمان وكانت شريفة في أهلها ذات حسب ونسب في قومها ومكث معها ردحا من الزمان، دخل عليها ذات يوم فوجدها ترتجز
أن هندا مهرة عربية
سليلة أفراس تخللها بغل
فإن ولدت مهرا فلله درها
وإن أنجبت بغلا فهو من ذلك البغل
فسمع ما قالت وخرج من فوره وابتعث وزيرا له ليطلقها بكلمتين فقط لا ثالث لهما فمضي الوزير إليها وقال (يقول لك الأمير الحجاج كنت فبنت) فضحكت ثم قالت الحمد لله والله لقد كنا فما فرحنا وبنا فما ندمنا)..
وقيل دخل المغيرة بن شعبة علي زوجه الفارعة بنت همام فوجدها تتخلل فقال لها إن كنت بادرت الغداء وأنت تتخللين فأنت شرهة وأن كنت قد بت والأكل في فمك فأنت قذرة فطلقها.
نماذج عدة من حياة السابقين في شأن الطلاق تتخللها (البلاغة) ويحيط بسردها (الطرافة) فلما طلق الحجاج (هندا) سمع بها الخليفة عبد الملك بن مروان وأرسل إليها من يخطب ودها فأرسلت إليه (إن الكلب قد ولغ في الإناء) فضحك من قولها وخاطبها (إن الكلب إذا ولغ بالإناء جاز أن يغسل ست مرات والسابعة بالتراب حتى يجوز استعماله فقبلت على شرط أن يقود الحجاج محملها إلى بيت الخليفة فوافق الخليفة وأمسك الحجاج بزمام راحلتها حتى إذا شارف الشام رمت هند بدينار لها على الأرض وهتفت بالحادي ليبحث عن (الدرهم) والحجاج لا يجد على الأرض سوى الدينار فيرده لها فتقول هند (الحمد لله الذي أبدلنا بالدرهم دينارا)
وغير بعيد عن مناسبة الأشياء أن نذكر طلاق الفرزدق لزوجه (النوار) فقد راهن على طلاقها جريرا بحضور الخليفة في الشعر فغلب جرير وأصر الخليفة على نفاذ الرهان وندم الفرزدق فأنشد شعرا
ندمت ندامة الكسعى لما غدت مطلقة مني نوار
وكانت جنتي فأخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار
ولو أني ملكت نفسي لكان إلى القدر الخيار
وفي قصة أبو الأسود مع زوجه تبرز البلاغة والطرافة فقد طلق أبو الأسود الدؤلي زوجه فهجرها فجاءته ومجلس له يضمه مع معاوية بن ابي سفيان فسلمت ثم قالت لمعاوية (إن الله جعلك خليفة في البلاد وأميرا على العباد يستسقي بك المطر ويستنبت بك الشجر، قد ألجأني اليك أمر كرهت عاره لما خشيت إظهاره فلينصفني أمير المؤمنين من الخصم فإني أعوذ بعقوبته من العار الوبيل الذي يلحق بالحرائر فسألها معاوية عن زوجها فأشارت إلى أبو الأسود الذي اعترف بأنها طليقته وقال (كرهت شمائلها فقطعت عني حبائلها إنها امرأة مؤذية للأهل مزرية للبعل مسيئة للجار مظهرة للعار إن رأت خيرا كتمته وإن رأت شرا أذاعته) فتعجب معاوية وأشار إليها لتدلي بحجتها فقالت (والله ما علمته إلا سؤولا جهولا ملحا محتاجا إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دغائل ليث حين يأمن وثعلب حين يخاف شحيح حين يضاف إن ذكر الجواد انقمع لما يعلم من قصر رشائه ولؤم أجداده لا يحمي الزمار ولا يدرك الثار فضيفه جائع وجاره ضائع أكرم الناس عنده من أهانه وأهونهم عليه من أكرمه).
وتعجب معاوية من سجعها وقضى لها بحقها من أبو الأسود الدؤلي وصارت حكايتهما رواية تروى وقصة تحكى تشير برجاحة العقول وإعطاء الحجج ووضع النقاط على جوهر المعضلات ولو كان فيها العنف اللفظي الذي في سبيل إظهار الحقوق قد تكون مباحة تبهر الحكم وتفحم الخصم.
وتلك الأعرابية ميسون التي كانت أجمل بنات قومها فقد خطبها الخليفة معاوية ونقلها من دائرة البادية وأقتلعها من بساطة (الأسرة) البدوية إلى رحاب القصور وبهوها بخدمها وحشمها وسلطانها فلم يستطع ذلك الواقع (الجديد) أن يوائمها ولم يستطع عقلها (المحدود) أن يستوعب تلك النقلة فغلب طبع (الحنين) على طبع (العصر) فأفرز الطبع الحنيني (شعرا):
وأكْلُ كُسَيْرَة في كِسْرِ بَيْتي أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ
وخَرْقٍ مِن بني عمي نحيفِ أحبُّ إليَّ من عِلْجٍ عليفِ
خشونَةُ عِيشتي في البدْو أشهى إلى نفسي من العيشِ الظَّريفِ
فما أبْغي سوى وطني بديلا فحسبي ذاكَ من وطن شريِف
فسمع شعرها معاوية واغتاظ من وصفها له (بالعلج) وطلقها وألحقها بأهلها فصارت حكايتها على كل لسان تعضد المذهب الذي يقول بأن الطبع عادة يغلب التطبع وأن الحنين قد يكون غالبا على النسيان.
ولو تتبعنا تلك القصص لألفنا أسفارا ضخمة تجعل من لفظة (الطلاق) طريفة على وجوبها فقد انتفض (الحجاج) لما رأى شعر (هند) يمس كرامته فكان (الطلاق) القصير و(تخلل) الفارعة أضحى سببا في العصف بها من عرش زوجها وقضي (الرهان) على النوار (بشرط) لا ناقة لها فيه ولا جمل ولكنه عهد (الرهان) وأبو الأسود يبرر لطلاقه بما لم يقله مالك في الخمر ولكن (المرأة) تدرك (حقها) ببلاغتها فتعجب الحاكم وتغيظ (المخاصم).
والحنين يجبر (ميسون) على النزول من (عرشها) الي صحون البادية فقد يصعب على بعضهن التبديل ولكنه عند (ميسون) أضحى (هينا) ففاضلت وكانت غلبة (التفضيل) في الحنين والرجوع إلى الأصل بعيدا عن حياة (الترف والخدم والحشم).
واليوم تتعدد أسباب الطلاق ولكنها مع كثرتها تفتقد إلى البلاغة والمنطق المقبول فتدرج في أضابير المحاكم وإن كان فيها من طرافة فيعود إلى الزوجة (كبيرة القدمين) وتلك تنتابها موجة الشخير وذاك قد خاصم (الحمام) وأسباب كثيرة تسترها (الأضابير) بعيدا عن نشرها (المخجل) الذي يجعل من أسبابه مضحكة تماما.