السياسيون في عالمنا يعملون بجد للحصول على القوة والتأثير والفعالية، إنهم يصنعون أي شيء لتطوير مهارات القوة والنفوذ لديهم، لكن فيما تستخدم تلك القوة والنفوذ؟ هل لأجل البشرية؟ أم لتحقيق مآرب شخصية أو فئوية أو طائفية، باعتقادي إن معظم الساسة يستخدمون تلك القوة التي يمتلكونها لتحقيق الذات، ويحدد مفهوم الذات لدى الساسة بمدى قدرتهم على تحقيق مصالحهم ومآربهم السياسية، وفي الحقيقة لا يمكنني أن أقول إن الساسة يشعرون بالإشباع عن طريق تحقيق الملذات والمصالح السياسية الذاتية، لأنهم كالمخلوقات الغير بشرية ذات التركيبة السياسية التي تكافح لأجل إشباع شهواتها، وهذه الشهوات تتجدد وتستمر حتى الممات، وعليه فإن سلوكيات الساسة هي مجرد انعكاس لقيم تحقيق الذات التي يحملونها.
إن معظم الساسة في كافة أرجاء العالم يهتمون بمصادر القوة والنفوذ التي تحقق أمنياتهم وطموحاتهم، إنهم دائماً مشغولين بالأمور التي تمكنهم من إيجاد السلطة والجاه والسلطان، ومن خلال تلك القوى التي يمتلكونها يمكنهم التلاعب بالجماهير بكافة الأشكال والطرق لتحقيق مصالحهم التي ليس لها حدود، فالكثير من الساسة يصلون إلى درجة الاستمتاع عندما يبرهنون لأعدائهم وخصومهم مدى قدرتهم على التلاعب بمشاعر وعقول الناس لتحقيق أجندتهم الشيطانية، بالنسبة للسياسيين يبدو أن التلاعب بمشاعر وعواطف الناس بحد ذاته إنجاز يؤدي إلى الشعور بالرضا، وإنهم يفتخرون في المحافل السياسية بمدى قدرتهم على التلاعب بعامة الناس، لأنه دليل على القوة والتأثير والكفاءة والفعالية والشخصية السياسية القيادية حتى لو اعتبرنا تلك السمات ذات رونق سلبي على البشرية.
يشعر الساسة بالفخر والحكمة السياسية عندما يتفاخر الشعراء بهم في أبياتهم وقصائدهم، بل إن هناك بعض رجال السياسة من يصل إلى مرحلة الغرور عندما يجد جمهورا يبجله ويحترمه ويستمع إليه دون ملل ولا كلل، ويضعون قبعة الخبث والمكر عند لقائهم مع عامة الناس ليتلاعبوا بمشاعرهم ويكذبوا عليهم بخطابات تغسل عقولهم. والمضحك أن الساسة يقولون أكثر مما يفعلون، وعندما يختبرون أفعالهم يجدون في قرارة أنفسهم بأنهم ذئاب يتلاعبون بمجموعة قطيع من المخلوقات البشرية الغير واعية، والمضحك المبكي أكثر أن عامة الناس يستمعون إلى خطابات الساسة وينسونها، ولا يراقبون أفعالهم، ولا يقارنونها مع أقوالهم، وهكذا تستمر هذه العلاقة المبنية على قاعدة أحدهم يكذب والآخر يصدق، هذه هي إحدى ملامح الصورة الاجتماعية الأبدية بين الساسة والعامة التي أتمنى أن لا تستمر إلى يوم القيامة. بصراحة تامة لقد باتت المجتمعات والشعوب المستضعفة لا تدرك أن البلاغة السياسية التي يسمعونها ليلاً ونهاراً من قادتهم وساستهم لا تترجم إلى أي نوع من أنواع الواقع الملموس، وما هي إلا خزعبلات وثرثرة سياسية.
ومن منظور واقعي أحياناً وباختلاف المكان والزمان يبدو أن الطبقة السياسية في عالمنا ليست على لون واحد، حيث إن هناك أشباه الساسة الذين يمارسون السياسة وليس لهم أي رصيد ومهارة سياسية، ولا يعلمون كيف يتلاعبون بالشعوب، وبدل أن يكونوا هم الساسة أصبحوا هم مسيسين ومسيرين ويساقون من الشارع ولا يعرفون ماذا يفعلون، وفي مرات أخرى لا يستطيعون القيام بمهمة الكذب والنفاق بالجمهور كما هو مأمول منهم، لأنهم لم يولدوا لكي يكونوا ساسة، وبذلك فقدوا قدراتهم السياسية مع الولادة الطبيعية، إن تلك الأصناف من أشباه الساسة أقل خطورة على الناس من السياسيين إلى أن يمتلكوا السلطة والنفوذ، لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة الرشد السياسي التي يتمناها شياطين الإنس منهم، لكن إذا بلغوا الملك فإنهم أشد خطورة على الشعوب لأنهم أقل عقلانية ورشادا سياسيا، وأكثر تعطشاً وتلهفاً للملك والجاه والنفوذ من آبائهم الأولين، وها هو التاريخ الإنساني يروي لنا قصص رجال السياسة، الذين كلما تولى أحد منهم مقاليد الحكم والسياسة كلما أهلك الناس والحرث والنسل، وكان أكثر لهفة للسلطة، وجرت العادة في هذه الأوضاع المؤسفة أن الناس يترحمون على الحاكم الذي قبله.