الكل شاهد حرارة التصفيق الذي تلقته تلك الطالبة الجامعية في الجلسة الختامية لمنتدى الجامعيين الذي عقد في جامعة البحرين الأسبوع الماضي، حيث وجهت تلك الطالبة سؤالا إلى المسؤولين الموجودين على المسرح عن “متى ستصل رواتب البحرينيين إلى مصاف أقرانهم في الدول الخليجية؟”.
تنوعت الإجابات بين تشريق وتغريب من قبل المسؤولين، لينتهي الأمر إلى إلقاء اللوم على الطبع الاستهلاكي الذي بات البحريني يتطبع به، مع اجترار اسطوانة محدودية الموارد للدولة، بالإضافة إلى تقارب الدخل بين البحريني وبعض الدول الخليجية الأخرى.
بالنسبة إلى “نظرية” وهم الأرقام، أراها نوعا ما صحيحة من ناحية واحدة فقط، وهي النسبة والتناسب بين الدخل ومستوى الغلاء، فإذا كان مستوى الغلاء مرتفعا فمن الطبيعي انه سيأكل أي زيادة في الراتب، فعندما يصل “قرطاس” البيض إلى 12 دينار أو ربما أكثر، فهذا أمر يحتاج إلى نظر، إذ انه بالنسبة والتناسب فإن هذا يأكل ذاك، لنعود وكأنك “يا بو زيت ما غزيت”.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الحديث عن الدعم في الصحة والوقود والتعليم وغيره من الأمور، يجب ألا يؤخذ هذا الأمر بالعموميات، فما يتم دعمه من خدمات ليس منة من الدولة على المواطن، بل هو حق أصيل من حقوقه، ولذا فلا منة في ذلك، وعلى الدولة أن تفكر جديا في إعادة توجيه الدعم وتصحيح مساره.
النقطة ليس فيما تقدمه الدولة من أموال سائلة للمواطن، وليس في الخدمات التي هي في الأساس حق أصيل من حقوقه، فالتعليم والصحة والإسكان وغيرها، كلها حقوق أصيلة دستورا وقانونا وحتى شرعا، النقطة فيما تقدمه الدولة من أمور تستطيع من خلالها التوفير ليصب في مصلحة المواطن.
لماذا لا نسمع عن استثمارات بحرينية في الخارج؟ لماذا لا نسمع عن أصول عقارية أو استثمارية باسم مملكة البحرين في الخارج؟ فإن الدول التي يقولون عنها أنها تتقارب مع البحرين في دخل الفرد، لديها أصول في الخارج استفادت منها ساعة العسرة، فهناك دولة لها أسهم في شركات سيارات عالمية، وهناك دولة أخرى لديها أصول في فنادق ومنتجعات ومناجم، أما الدولة الثالثة فيكفي أنها تستثمر في أراضيها الزراعية من خلال مواطنيها.
شخصيا، أنا مع الزيادة المتدرجة في الرواتب، شريطة أن يكون ذلك التدرج حقيقيا، كي لا يأكله الغلاء، بالإضافة إلى الرقابة الحازمة على الأسعار حال الزيادة، ناهيك عن ضرورة إعادة توجيه الدعم للمواطن فقط بغض النظر عن قيمة راتبه الشهري.
الحاجة إلى زيادة الرواتب هذه حقيقة، إذ انه من حق البحريني أن يحيى قريبا في مستواه من المواطن الخليجي، ولكن يجب ألا نغرق في “وهم الأرقام”، كي يكون للزيادة معنى، وهذا لا يعني أبدا أن يظل البحريني على راتب 400 دينار مثلا في ظل ارتفاع الأسعار وتغول الغلاء بهذه الطريقة الفاحشة، إذ من حق البحريني أن يعيش، أو على اقل تقدير الشعور بالحياة والتنفس.
البحرين بلد الخيرات، فيها من الخير الكثير، ولكن للأسف هذا الخير يعاني من سوء في التوزيع والتوجيه في كثير من المناحي والأوجه.
من حق البحريني أن يشعر بكرامته عند حصوله على “مكرمة” ما، بعيدا عن طوابير الإذلال والتزلف، من حق البحريني أن يشعر بطعم الاستثمار فيه، وليس الاستثمار منه، من حق البحريني أن يشعر بأن راتبه يبقى في يمينه بدلا من أن يسلمه بشماله بسبب الاستقطاعات البنكية والحكومية على حد سواء.
نعم لن نغرق في وهم الأرقام، لأننا ندرك خطورة اللعبة، ولكن أيضا من حق البحريني أن يعيش قريبا من أقرانه لا أكثر ولا اقل.