استطاعت دول عديدة تطوير اقتصادها الوطني، من خلال المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بوضع خطة وطنية متكاملة لإقامة ودعم تلك المشاريع وتحويلها الى مشاريع وصناعات مستقرة.
البحرين بدأت تشق أولى خطواتها نحو تشجيع المشاريع الصغيرة، حيث بادرت الحكومة بتحفيز الشباب نحو الأعمال الحرة، وعدم الاعتماد على الوظيفة في القطاع العام، وذلك بطرح عدة برامج وقنوات مثل “تمكين” و”بنك التنمية”.
اليوم نحن بحاجة ماسة الى تقييم تجربتنا المتواضعة، والمبادرة لإصلاح الخلل والقصور، وتطوير التجربة استناداً على تجارب الدول المتفوقة. والأهم توفير البيئة المناسبة والضمانات المالية لتشجيع اكبر قدر من الشباب. ولدينا نماذج بحرينية مشرفة ولكنهم افراد محدودون، نحلم ان يكبر هذا العدد ليصبح رقما بحرينيا مشرفا ومساهما في تنمية اقتصادنا. اليابان بدأت تجربتها بتوفير الدعم المباشر من الدولة لأصحاب المشاريع، حيث وضعت تعريفا واضحا ومحددا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ومنح الإعفاءات من الضرائب والرسوم ووضع القواعد التي تقوم الحكومة بموجبها بتقديم المساعدات الفنية والتمويلية والإدارية والتسويقية لهذه المشاريع وحمايتها من الافلاس بالحصول على قروض بدون فوائد وبدون ضمانات، حيث انشأت مؤسسات تمويلية، وألزمت الشركات التي تحصل على مناقصات حكومية ان يكون نصيب الشركات الصغيرة والمتوسطة ليس اقل من 30 % من قيمة المناقصة. كما انشأت هيئة حكومية تقدم كل انواع الدعم لاصحاب المشاريع.
ووضعت قانونا يلزم جميع الجهات الحكومية وشبه الحكومية بإتاحة الفرصة للمشاريع الصغيرة للحصول على العقود الحكومية. لاحظوا مستوى الدعم وآلياته وحجمه وبالقانون والإلزام. هكذا يؤمل النجاح للخطط الحكومية والوطنية والتي تسخر لها كل الامكانات والصلاحيات والقوانين وتطبق برقابة حكومية وتوجه جاد نحو تحقيق هدف وطني واضح ومحدد الكلفة والزمن وتحت منظار القياس والتقييم والتطوير لضمان تحقيق النجاح بنسبة 100 %.
وينص القانون الياباني المسمى “القانون الأساسي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة”، على ضرورة القضاء على كل العقبات التي تواجه المشاريع الصغيرة، وتعمل المشاريع من خلال أطر مؤسسية تقدم لها التراخيص والمساعدات الفنية والخبرة الاستشارية والتمويلية من خلال وكالة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة.
وأرى أن حكومتنا قادرة على نقل تلك التجربة الغنية، بتوحيد الجهود وتسخيرها تحت مظلة واحدة بدلا من بعثرتها في جهات مختلفة.
كوريا الجنوبية حققت نهضة اقتصادية بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة واليوم تشكل نسبتها 99.80 % من المجموع الكلي للمشاريع العاملة في كل القطاعات الاقتصادية وتوظف نحو 10.480 ملايين عامل، اي نحو 87 % من مجموع القوى العاملة في كوريا حتى عام 2003، وشجعت الشباب من خلال توجيههم نحو تأسيس مشاريعهم، وأنشأت بنكا متخصصا للصناعات الصغيرة والمتوسطة وهيئة شبه حكومية لتوفير كل الخدمات التدريبية والاستشارية لأصحاب الأعمال. وألزمت الشركات الكبرى بتوريد احتياجاتها من المشاريع الصغيرة وأصبحت اليوم المشاريع الكورية الصغيرة والمتوسطة تزود الشركات الكبيرة بـ 60 % من احتياجاتها. وشرعت الحكومة لسن قانون يشجع شراء منتجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة من اجل تأمين التشغيل الدائم لهذه المشاريع من خلال الشراء الحكومي لمنتجاتها، كما وضعت الحكومة برامج تحفيزية لاختيار افضل 1000 مشروع سنويا وتقديم مزيد من الدعم لتطوير المشاريع الفائزة، ودعم تصدير منتجاتها.
اما دولة الكويت الشقيقة فقامت بإنشاء شركة وطنية لتقوية المنشآت الصغيرة عام 1997، ومولت خلالها 51 مشروعا، برؤوس اموال قدرها 10.5 ملايين دينار، وأصدرت قانونا عام 1998، بإنشاء محفظة مالية لدى بنك الكويت الصناعي بقيمة 50 مليونا لمدة 20 عاما بهدف تمويل العمل الحر للكويتيين.
لا مجال لذكر المزيد والسؤال المطروح ماذا لو بادرت حكومتنا بدراسة التجارب اعلاه واتخاذ خطوات جادة لتطبيقها؟ اعتقد بمنهج وسياسات الدول اعلاه تستطيع البحرين التحول الى بلد صناعي خلال 20 سنة، فوضعنا أكبر وأقوى من وضع الدول التي بدأت من الصفر مثل كوريا. ندعو الحكومة الى وضع خطة متكاملة لإشاعة وتعزيز ثقافة العمل الحر، ونشر الوعي العلمي المنظم حول اهمية الريادة بإدخال مقرر “ريادة الأعمال” في المناهج الدراسية، لخلق جيل واعد يتجه نحو تأسيس مشاريعه بعد التخرج. لو وفقت حكومتنا في اتخاذ مثل تلك المبادرات والإجراءات والقوانين، سنحقق طفرة ايجابية في اقتصادنا. البحرين قادرة على تحقيق هذا الحلم الوطني الكبير، وبأيد شابة وطموحة.