تعيش بعض الشعوب العربية شبه الحياة الإنسانية ويعيشون في سلسلة مخاوف وفوبيات كثيرة، ومع ذلك يجبر أن يكون الإنسان عاقلا ومتوازنا وحكيما، وهي مطالبة لا تختلف كثيرا عن مطالبة الأشجار المقطوعة الجذور بالمحصول، والأنهار الجافة بالجريان، والطيور المحنطة بالتغريد، والقلوب اليابسة بالحب والأفكار العقيمة بأن تورق، والعصافير المذبوحة بالإنجاب، والمبتوري الأطراف بالرقص، والقطارات المقلوبة بالحركة والديوك في أن تبيض، كما يذكر أحد الكتاب.
ولكن كثيرا من الشباب العربي أصبح اليوم واعيا بما يكفي لدعم بناء دول متحضرة، ويوجد كثير من ملوك ورؤساء عرب تجاوبوا وبشكل إيجابي مع الإصلاحات ودعمها وبقى بعض الرؤساء المتخلفين يبحثون عن الألوهية (كما رأينا شخص بإحدى الدول يسجد لرئيسه المجرم وعلى شاشات التلفاز وهو ينادي باسمه وكأنه ربه الأعلى).
ونحن نعلم أن تقديس السلطان وربما تأليهه موروث قديم جدا، وإذا ما عدنا بالقراءة إلى التاريخ المجازي (الملاحم والأساطير القديمة!) والتاريخ الحقيقي نعلم أن نبوخذ نصر تنازل عن الألوهية واكتفى بلقب نبو (نبي)!! وفي عصر الجاهلية لدى العرب وخاصة الجاهلية الأولى كرست فكرة السلطان الإله! حتى جاءت الجاهلية الثانية التي سبقت الإسلام بقرنين تقريبا فورثت من آبائها عبادا للسلاطين، وكان من أشهرهم النابغة الذبياني وهو كما معروف شاعر (جاهلي)، (وخوفي أن يقرأه البعض ويعتقد أنه مطرب بستار اكادمي)، وقد خاطب الذبياني أحد شيوخ المناذرة وهو يعتذر له عن ذنب ليس له ذنبا فيه فقال له “وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع”.
وفي الجاهلية الثالثة وما أكثر جاهليتنا فهي أشد الجاهليات قسوة وإيلاما من سابقتيها؛ لأن من عاش بتلك الحقبة مجموعة من المسلمين فكانوا يؤدون طقوسهم الجاهلية وهم مسلمون وكانوا ينسبوها للإسلام، وفي تلك الحقبة قال أحد شعرائهم وهو
(ابن خفاجة) وهو أيضا مخاطب أحد أمراء الاندلس
“ما شئت إلا شاءت الأقدار إنْعَمْ فأنت الواحد القهار”، وكما قال ابن زيدون وهو يصف قبيلته..
“إذا ادّعوا جاءت الدنيا مصدقة وإن دعوا قالت الأيام آمينا”، فليعلم بعض البطانة الفاسدة بأن باب المتعة والتشفي النيكروفيلي قد انتهى.
والنيكروفيلية نزعة تدميرية وتخريبية مرضية خاصة بالإنسان دون الحيوان، وهي عملية تلذذ بقتل الإنسان والتمتع بتحليل وتفكيك وحداته العضوية والذي ذكرها (أريك فروم).