بينما يشهد عالمنا العربي سباقًا غريبًا في هدم وتخريب المجتمعات والمؤسسات، ترفع إسرائيل شعار “البناء في القدس”، وهو الشعار الذي أعلن عنه صراحة نائب وزير الدفاع “داني دانون” في مقال نشره موقع صحيفة “جيروزاليم بوست” الخميس الماضي (29 /5/2014)، قائلاً في مقاله “حان وقت البناء في القدس؛ لكي نقنع العالم بأن مصير هذه المدينة خارج نطاق المفاوضات، وليست لدي أية أوهام، فقرار البناء بكثافة في القدس سيقابل بانتقادات من بعض حلفائنا، كما أنه لن يعجب أطرافا في المنطقة لا تعترف بوجودنا”، مطالبًا الدولة الصهيونية بمواصلة البناء حتى لو تم فرض عقوبات عليها في أعقاب هذه الخطوة، حيث يرى أن من حق اليهود البناء في أي شارع وفي أية زاوية في المدينة يمكن أن يغير الموقف الدولي من مستقبل المدينة التي نسيها العرب أو تناسوها؛ حتى لا تذكرهم بواجبات غير قادرين على أدائها، وهموم لا يرغبون في حملها.
إسرائيل تعمل بكل جهدها ومؤسساتها حاليا، وفي ظل هذا الضعف والانقسام العربي وانفرادها بالجانب الفلسطيني المنشغل أساسًا بخلافاته ومحاولاته للتوصل لمصالحة دائمة، تعمل على تكثيف بناء المستوطنات في جميع أرجاء الضفة الغربية والقدس المحتلة وبكل بجاحة ووقاحة تجسدتا في تأكيد وزير إسكانها “أوري أرئيل” في كلمته الخميس الماضي أمام احتفال نظم في مدرسة دينية يهودية في القدس المحتلة على أن “إسرائيل لن تجمد البناء في المستوطنات بحال من الأحوال، ولن نسلم بوجود عوائق يمكن أن تؤثر على مواصلة البناء في أرجاء يهودا وشمرون (الضفة الغريبة)، فهذه أرضنا ولنا حق في البناء فيها”، مشددًا على أنه لن تكون هناك بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط إلا دولة واحدة، فقط هي إسرائيل، والقدس لن تقسم وستبقى عاصمة إسرائيل الموحدة إلى أبد الآبدين.
ربما يقول قائل، دعك من هذا الكلام وتلك الشعارات التي ينطق بها قادة ومسؤولو الكيان الصهيوني؛ لأنها غير قابلة للتحقيق على الأرض، ولكن الحقيقة هي أن ما ينطق به المسؤولون الإسرائيليون لا يقف عند حدود التصريحات كما هو حالنا نحن العرب، بل هم يخططون بجدية ويدرسون بعناية ويرسمون شكل ومستقبل دولتهم بعد سنوات بعيدة؛ كي تستنفر كل مؤسسات وقطاعات الدولة وتتكاتف في تحقيق ما يهدفون إليه.
فها هو ذا منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية اللواء يوءاف مردخاي يؤكد خلال اجتماع في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) الأحد الماضي (25/5/2014) عن أن الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي مهّدت الأرضية لبناء استيطاني في 28 ألف دونم (الدونم يعادل ألف متر مربع) في الضفة الغربية خلال عام 2013، ومعظمها في مناطق إستراتيجية تحقق التواصل الجغرافي بين إسرائيل وهذه المستوطنات.
وتصريحات وزير الإسكان على سبيل المثال كانت لاحقة على مخطط وضعته وزارته لزيادة عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية بنسبة 50%، كما تزامنت مع إعلان ممثلي الائتلاف الحاكم في البرلمان عن مشروع قانون ينص على ضم حوالي 70 % من الضفة الغربية (90 مستوطنة بنيت على أراضي الضفة الغربية المحتلة) لإسرائيل، كما ينص المشروع -الذي تقدم به رئيس كتلة الائتلاف الحاكم في البرلمان يريف ليفين، وهو أحد قادة حزب “الليكود” وأوريت ستروك النائبة عن حزب “البيت اليهودي” المشارك في الائتلاف- على ضم جميع الكتل الاستيطانية اليهودية وغور الأردن والمناطق التجارية وشبكات الطرق التي تخدم المستوطنات والمناطق الأثرية و”أراضي الدولة”، وهي الأراضي التي كانت تتبع الحكم الأردني قبل عام 1967.
ويعيش على تلك الأراضي 350 ألف مستوطن ونحو 300 ألف فلسطيني من أصل 2.5 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية معظمهم في مناطق خاضعة لنوع من الحكم الذاتي بموجب اتفاق أوسلو المبرم عام 1993.
وتشير الأرقام والإحصاءات أن حكومة الكيان الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو حققت خلال الأشهر التسعة الأخيرة رقما قياسيا في بناء المستوطنات، حيث بنت نحو 14 ألف وحدة سكنية جديدة، وذلك فق حركة السلام الآن الإسرائيلية نفسها التي كشفت في تقرير لها عن عطاءات لبناء 13851 وحدة سكنية جديدة، مسجلة بذلك رقماً قياسياً، حيث تم بناء خمسين وحدة سكنية جديدة يوميا، و1540 وحدة سكنية جديدة في كل شهر، أي ما يعادل أربعة أضعاف البناء في السنوات الماضية. وذكر التقرير أن حكومة نتنياهو صادقت خلال هذه الفترة من المفاوضات مع الفلسطينيين على بناء 5044 وحدة سكنية في المستوطنات في القدس الشرقية والباقي بالمستوطنات في الضفة الغربية.
وإذا كانت إسرائيل تبرر أعمال البناء الاستيطانية بأنها للاستجابة للنمو الطبيعي في المستوطنات، فلا أجد مبررًا لهذا التخاذل العربي والصمت الدولي تجاه الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية التي تهدف لابتلاع الأماكن المقدسة، وإنهاء القضية الفلسطينية.