العدد 2038
الأربعاء 14 مايو 2014
الانسحاب من عاصمة الثورة السورية
ستة على ستة
الأربعاء 14 مايو 2014

قد تتعدد الرؤى وتتباين القراءات تجاه ما تم مؤخرًا من انسحاب لقوات المعارضة السورية المسلحة من مدينة حمص - التي عرفت بأنها عاصمة الثورة السورية - وذلك بموجب اتفاق هدنة بوساطة من الأمم المتحدة وبمشاركة مفاوضين إيرانيين سمح للمعارضة بالخروج إلى ضواحي أخرى تحت سيطرتها دون أن تعترضهم قوات النظام، مقابل رفع قوات المعارضة في محافظة حلب الشمالية الحصار عن قريتين مواليتين للحكومة، وإطلاق سراح عشرات الأسرى لدى المعارضة في محافظتي حلب واللاذقية.
هناك من يركز على الجانب الإنساني من القضية ويرى في هذه الخطوة “نصرا” للمعارضة، حيث إنها بهذا الانسحاب قد أنقذت نحو 2400 من المقاتلين الذين ينتمون إلى الكتائب الإسلامية والكتائب المقاتلة وجبهة النصرة، وكذلك فك الحصار عن حمص بكل ما كان فيه من تجاوزات أخلاقية من بينها منع خروج الجرحى وقصف قوافل المساعدات.
ويرفض هؤلاء اعتبار هذا الانسحاب هزيمة للمعارضة، بل ويذهبون إلى القول بأن قوة المعارضة هي التي أجبرت النظام على إبرام الهدنة مع المسلحين وخاصة بعد زيادة الضغوط الدولية وفشلها في استرداد المدينة من المعارضة المسلحة رغم الحصار المشدد والقصف المتواصل.
بينما هناك من ينظر لهذا الانسحاب على أنه انتصار كبير للنظام السوري ويعبر عن عجز واضح للمعارضة في حسم الأمور في هذه المدينة التي كانت تسيطر على معظم أجزائها منذ بدايات الثورة السورية وحتى بدايات عام 2012م، حينما بدأت قوات النظام تستعيد مناطق وأحياء من المدينة وتفرض عليها حصارًا خانقًا.
وبرأيي أن انسحاب المعارضة من مدينة حمص السورية، ورغم أنه يمكن النظر إليه على أنه خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوضاع والتمركز في أماكن أكثر أمنًا للمسلحين، إلا أنه بالنهاية يصب في صالح ليس فقط نظام الطاغية بشار الأسد، وإنما في صالح أعوانه وحلفائه المجرمين أمثال حزب الله وإيران.
فالاتفاق جاء قبل أقل من شهر على الانتخابات الرئاسية، وهو ما يمثل أكبر دعاية لبشار الأسد من الناحيتين الأمنية والإنسانية، بعد أن أجبرت قواته مقاتلي المعارضة على الخروج من حمص التي تحظى بأهمية إستراتيجية، وتمنح من يتحكم فيها ميزة السيطرة على الممر الذي يربط بين العاصمة دمشق والمدن الساحلية المطلة على البحر المتوسط وسلسلة الجبال الساحلية معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الظالم بشار الأسد.
كما أن لحمص قيمة رمزية كبيرة باعتبارها المكان الذي انطلقت منه شرارة الثورة والعصيان ضد الظلم والطغيان في مارس من عام 2011 ثم ما لبث أن انفجرت الثورة في مختلف البقاع السورية.
لذا ، فهذا الاتفاق وهذا الانسحاب للقوات المعارضة من حمص قد يسهم في فوز بشار الأسد مجددا في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الثالث من يونيو المقبل، إذ بالإمكان استغلال هذا الحدث والترويج بأن بشار قد خلص المدينة المحاصرة دون دماء وقبل طوعًا بالهدنة ودخول المساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها أهل المدينة بشدة وكانوا قد فقدوا الأمل في دخولها.
كما أن الانسحاب والسماح بهذا التفوق الإستراتيجي لبشار، قد يؤشر لبداية سياسة غربية جديدة باتجاه تمكين “الأسد” على جميع الأراضي السورية وإضعاف وربما إذلال المعارضة التي باتت تشكل هاجسًا كبيرًا لهذه الدول التي تخشى على نفسها وترى أن “بشار” هو القادر على تأمين مصالحها وخاصة بعد أن تشتتت المعارضة السورية وأصبح التطرف هو الغالب عليها، وقد عبر هذا التخوف عن نفسه مؤخرًا عندما وضعت تسع دول أوروبية وكل من المغرب وتونس والأردن والولايات المتحدة وتركيا خلال اجتماع لهم في بروكسل عقد بتاريخ 9 مايو الجاري (2014) الخطوط العريضة لتحرك يهدف لمواجهة ظاهرة “الجهاديين” النشطين في سوريا واحتواء تداعيات عودتهم من هذا البلد، ووضع المشاركون مشروع تحرك عملي من مستويات عدة لتنسيق تحركات دولهم أمنيا وسياسيا.
إن إنجاز هذه الهدنة وحصول هذا الانسحاب لقوات المعارضة من مدينة حمص هو بالنهاية نصر لإيران على العرب، وهو نصر تحقق بفضل عزم طهران الشديد على دعم حليفها تحت أي ظرف في مقابل انقسام وتردد عربي وتخاذل غربي وصمت دولي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية