الذي يقرأ التقرير العالمي السنوي الذي صدر مؤخرا عن وزارة الخارجية الأمريكية لا يشعر إلا بالحزن والأسى نتيجة ما أصاب دولنا العربية والإسلامية التي ابتعلت “الطعم” الأمريكي بكل سهولة، فتحولت معظم ساحاتها إلى مراتع للعنف والفوضى والإرهاب بينما تم تنظيف الساحة الأمريكية وتحصينها من الإرهاب بعد أن تمكنت واشنطن من نقل معاركها إلى الخارج واستخدام دول العالم كأدوات في هذه الحرب المزعومة ضد الإرهاب لتحقيق الأهداف الأمريكية.
لا نملك إلا أن نشهد ببراعة واشنطن التي استثمرت أحداث 11 سبتمبر من العام 2001 م لتكون هي المتحدث الرسمي والصوت الوحيد المعبر عن قواعد ومبادئ التعايش في المجتمع الدولي، وهي التي تقرر من الذي يخرج عن هذه القواعد وكيف يمكن مواجهته، ومن الذي يستخدم في المواجهة، ومتى تنتهي المواجهة وتبدأ غيرها من المواجهات.
وكانت النتيجة أن وضعت قدرات وإمكانات مختلف دول العالم تحت تصرف واشنطن سواء طوعًا أو كرهًا وإما طمعًا في كسب مغانم من وراء أمريكا - وهو أمر لم يحدث - أو خوفًا من الاصطفاف ضمن قائمة دول ومحور الشر الذي سينال العقاب الأمريكي الأليم جراء خروجه على قواعد المجتمع الدولي وفق المنظور الأمريكي وهو ما لم يحدث أيضًا بعد أن باتت جميع الدول في وجه “المدفع” الأمريكي الذي يوجه طلقات مختلفة الأنواع ضد هذه الدول كل بما يتناسب له.
كان المحدد الرئيس في هذه الحرب هو عدم تحمل أمريكا أي تبعات بشرية أو مادية غير مقبولة، فطالما كانت هذه التبعات في الحدود التي يمكن السيطرة عليها بسهولة، انتقلت الحرب من دولة لأخرى ومن مرحلة لمرحلة تالية تحقق مصلحة أمريكية مختلفة، فبعد القضاء بسهولة وبأيدي الغير في الأساس على تنظيم القاعدة فعليًا بالحرب ضد أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 وإزالة هذا “الكابوس” الذي يقلق المواطن وصانع القرار الأمريكي، قررت واشنطن الاستمرار في هذه “اللعبة” التي أثبتت فيها مهارة شديدة في “مرواغة” جميع دول العالم وجعلتهم لا يكتفون فقط بمشاهدة هذا اللاعب الأمريكي الماهر بل تحولوا جميعًا إلى اللعب معها ومساعدتها في إحراز الأهداف المتتالية حتى لو جاءت في شباكهم هم.
والآن ننتقل إلى بعض الفقرات التي وردت بالتقرير الأمريكي، التي تؤكد ما ذهبنا إليه، حيث إن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الذي صدر قبل أيام قلائل رغم تأكيده على أن الهيكل الرئيس للقاعدة بقيادة أيمن الظواهري “تقلص بشدة” بفضل الجهود الدولية وفقدان الكثير من كبار قادته، إلا أنه أشار إلى أن عدم الاستقرار وضعف الحكومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مكّن أجنحة القاعدة والجماعات ذات العقلية المماثلة من توسيع وتعميق عملياتها في اليمن وسوريا والعراق وشمال إفريقيا والصومال.
وبينما خلص التقرير إلى أن حجم ما يسميه بالهجمات الإرهابية العالمية قد زاد بنسبة 43 % خلال العام الماضي 2013م، إلا أنه كشف أيضا أن عدد ضحايا الهجمات من بين المواطنين الأمريكيين في الخارج بقي عند الحد الأدنى، حيث قتل 16 أمريكيا فقط من بين ما يقرب من 18 ألف ضحية لهذه الهجمات حول العالم، وأن عدد المصابين الأمريكيين جراء هذه الهجمات بلغ 7 فقط من بين 33 ألف مصاب، بينما تعرض 12 مواطنا أمريكيا للاختطاف من قبل “جماعات إرهابية” من بين 3 آلاف شخص تعرضوا للاختطاف حول العالم خلال العام 2013.
ويشير التقرير إلى أن تزايد العنف في العراق والحرب الأهلية في سوريا وتردي الأوضاع الأمنية في أفغانستان وباكستان ساهمت بشكل كبير في زيادة الهجمات الإرهابية خارج الولايات المتحدة، حيث لا يتضمن التقرير أيا من الهجمات الإرهابية الداخلية مثل تفجير ماراثون بوسطن.
لقد نجحت واشنطن في حماية أراضيها ومواطنيها من العنف والإرهاب، بينما أغرقت دولنا العربية والإسلامية في الفوضى والاضطرابات والتوترات، وهو ما أكدته إحدى الدراسات الصادرة عن معهد “جين” المتخصص بدراسات حول الإرهاب والعمليات المسلحة، حيث أشارت إلى أنه في العام 2009، تم تسجيل ما مجموعه 7.217 من الهجمات في جميع أنحاء العالم وفق عدد من المصادر، وفي العام 2013، ارتفع هذا العدد بنسبة أكثر من 150 % ليصل إلى 18.524 هجمة، وأن أعلى معدل للعنف العام الماضي كان في الشرق الأوسط، مع جيوب العنف الكبرى التي تتحرك مثل العدوى إلى أجزاء من إفريقيا وجنوب آسيا.