يبدو أنه في الوقت الذي عجزت فيه دول العالم عن مواجهة أميركا أو إثنائها عن شن الحروب متى أرادت، فإن الرادع الذي سيحد من قدرة واشنطن ويجعلها تفكر مرارًا قبل الإقدام على الحرب المباشرة ضد دول أخرى سيكون داخليًا أو أمريكيًا بالأساس.
وإذا كانت واشنطن لم تدفع ضريبة مباشرة وآنية لتجاربها ومغامراتها العسكرية ورغباتها الانتقامية بعد أن نجحت في تحميل العالم فاتورة حروبها، فإنها اليوم تدفع هذه الضريبة بأمراض نفسية شتى يعانيها الجنود الذي شاركوا في الحروب الأمريكية في فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
وإذا كانت أميركا نجحت في إيهام العالم أنها قد حققت أهدافها في أفغانستان والعراق تحديدًا، فإن ما يتم الكشف عنه كل يوم عن الآثار والتداعيات الخطيرة التي خلفتها هذه الحروب تؤكد كذب الروايات الأمريكية وفداحة الخسائر التي تحملتها واشنطن وإن كانت لم تؤثر على مجريات الحروب التي شنت والدول التي مزقت كأفغانستان والعراق.
فقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في عددها الصادر الخميس الماضي (10/4/2014) نتيجة استطلاع للرأي أجرته الصحيفة بالاشتراك مع مؤسسة “كايسر فاميلي”، حيث كشف أن حوالي نصف الجنود الأميركيين الذين شاركوا في الحرب على أفغانستان أو العراق وعددهم 2.6 مليون عسكري أميركي يعانون آثارا سيئة للحرب على صحتهم البدنية والنفسية.
والغريب أن الاستطلاع أكد أن معظم المشاكل الصحية والبدنية والنفسية للجنود لا تعود لجروح تعرضوا لها في الحرب نتيجة أعيرة نارية أو قنابل يدوية، وأن حوالي مليون جندي قال إنه لم يتعرض لجروح خطيرة في الحرب، وأن معظم جروح الجنود الأميركيين تنبع من الفوضى والضجيج وأصوات المدافع والانفجارات، بسبب ما تتركه من آثار مدمرة لطبلة الأذن، إضافة إلى إصابتهم بالأمراض العصبية وأمراض ضغط الدم والقلب بالرغم من كونهم شبابا في الثلاثين من أعمارهم.
ما نشرته صحيفة واشنطن تايمز مؤخرًا أكدته دراسات عديدة وإحصاءات مختلفة، من بينها دراسة أميركية قالت إن ربع الجنود الأميركيين الذين يتلقون علاجا بعد مهام في الخارج يعانون اضطرابات عقلية، وأن جنديا أميركيا من بين أربعة عملوا في العراق وأفغانستان لديهم مشاكل نفسية.
ودراسة أخرى نشرتها وزارة شؤون قدامى المحاربين وشملت الفترة من عام 1999 إلى 2010 ، أكدت أن معدل الانتحار بين قدامى المحاربين والبالغ عددهم 23 مليون محارب في تزايد أكثر مما كان يعتقد في السابق، حيث يموت 22 شخصا كل يوم أي بمعدل واحد كل 65 دقيقة في المتوسط، وقالت وزارة شؤون قدامى المحاربين إن عدد حالات الانتحار بالولايات المتحدة زاد بنسبة 11 % في الفترة من 2007 إلى 2010.
الأبعاد الأمنية والاجتماعية لهذه القضية تتأكد إذا ما علمنا أن الكثير من هؤلاء الجنود تورطوا في جرائم عدة، ومنها عمليات قتل، حيث أشارت عدة تقارير صحفية ودراسات متخصصة إلى انزلاق هؤلاء الجنود في متاهات الجريمة منها جرائم قتل أو غيرها من الجرائم الكبيرة. أما الكثرة الغالبة منهم، فيتورطون في قضايا عراك في الحانات أو قيادة السيارة بإهمال أو جرائم عنف منزلي بسبب السكر.
من الناحية العسكرية والأمنية أيضًا، فإن هؤلاء الجنود الذين شاركوا في حربي أفغانستان والعراق باتوا غير صالحين أو مستعدين للمشاركة في أي حروب أخرى، وبالتالي تحولوا إلى عبء سواء على الجيش الأمريكي أو الميزانية الأمريكية، فالأصحاء لا يمكن إشراكهم في حروب أخرى والمرضى يكلفون خزانة الدولة مليارات الدولارات؛ من أجل العلاج.
كل ذلك دفع وزارة الدفاع الأمريكية لاتخاذ خطوات عدة لإثارة الاهتمام بهذه المشكلة، وتجنب عمليات انتحار محتملة، ومن ذلك تخصيص خطوط هاتفية ساخنة وتشجيع الجنود على طلب المساعدة، وتفويض بعض القادة ورجال الدين والأطباء بسؤال الجنود عن الأسلحة الخاصة التي يمتلكونها وفقا لقانون تفويض الدفاع الوطني للعام 2013.
ولا يخلو هذا الأمر من تداعيات مالية تتمثل أساسًا في تكلفة علاج هؤلاء المرضى، إضافة إلى بعض التعويضات جراء القضايا التي رفعت من بعض الجنود المتضررين كما حدث في نوفمبر من العام 2012، إذ قضت هيئة محلفين بولاية أوريغون الأميركية بمنح 12 فردا من الحرس الوطني الأميركي 85 مليون دولار كتعويض لهم من شركة كيهبيار للتعاقدات الدفاعية بعد أن وجدت أن الشركة فشلت في حمايتهم من التعرض لمواد كيمياوية تسبب السرطان عندما كانوا يخدمون في العراق، ويوفرون الأمن لعمال مدنيين يصلحون محطة مياه لصناعة النفط في 2003 في جنوبي العراق بعد الغزو الأميركي، وقال محامو الجنود إن موكليهم عانوا من أمراض وإعاقات مختلفة، وهم معرضون لخطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.
وفي الختام، ربما تكون هذه القضية أحد العوامل والدوافع التي أدت إلى تغيير الإستراتيجية الأمريكية والاتجاه نحو ما اسمته وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس بـ “الفوضي الخلاقة”، فكان الاعتماد على وسائل القوة الناعمة من ثقافة وإعلام ومنظمات حقوق إنسان وغيرها من الوسائل التي وجدت رواجًا كبيرًا لدى منظمات وقوى كثيرة في دولنا العربية والإسلامية التي لم تستطع غلق الأبواب أمام هذه المفاهيم حتى لا تتهم بأنها تسير ضد مسار التاريخ وعلى خلاف هوى واشنطن، فكان ما نراه الآن وتشهده الكثير من الدول من تفتيت وتفكيك.