العدد 1888
الأحد 15 ديسمبر 2013
أميركا تقترب من الأسد
ستة على ستة
الأحد 15 ديسمبر 2013

بعد أن تلقت الدول العربية صفعة بعد التوصل لاتفاق بين إيران والدول الكبرى (مجموعة 5+1) حول البرنامج النووي الإيراني بعد مفاوضات “سرية” بين الجانبين، ها هي واشنطن تلقي بضربتها الثانية وسط غفلة من العرب وتقرر مع بريطانيا تعليق مساعداتهما “غير الفتاكة” للمعارضة السورية. وكما استطاعت واشنطن تسويق الاتفاق حول نووي طهران وإرسال مبعوثين ومسؤولين للدول الخليجية والعربية لبث رسائل تطمينية بأن الاتفاق لن يكون على حساب هذه الدول ولن يؤثر على “متانة” و”قوة” العلاقات معها، تحاول أميركا الآن أيضًا تبرير هذه الخطوة “المعاكسة” لما تدعيه من رغبة في وضع تسوية للأزمة في سوريا عبر تقوية المعارضة؛ لتكون قادرة على مواجهة القوة الغاشمة لنظام دمشق، إذ تزعم واشنطن أن القرار يعود إلى التخوف من سيطرة “الإسلاميين” “المتشددين” على قواعد رئيسة للجيش السوري الحر، والخشية من أن المساعدات تصل للجهات الخطأ في المعارضة. هناك من ينظر ببراءة وسذاجه للقرار الأميركي ويتفق مع هذا التفسير بل ويحذر من تنامي نفوذ “المسلحين” الإسلاميين في ساحة القتال في سوريا. إلا أن مراقبين آخرين يؤكدون أن ما يشاع عن تزايد قوة الإسلاميين “المتشددين” غير صحيح ويجزمون بقلة أعداد هؤلاء وانتشارهم في أماكن محدودة ولفترات مؤقتة، ويضيفون بأن النظام السوري يستخدم هؤلاء لتخويف العالم من مخاطر إزاحته عن الحكم. وفي كل الأحوال، فمن الواضح أن القرار الأميركي بالتخلي عن دعم المعارضة السورية يصب مباشرة وتلقائيًا في صالح النظام السوري المجرم ويعبر عن تغيير في سياسة الإدارة الأميركية ليس تجاه الملف السوري، بل تجاه المنطقة، حيث يبدو أن واشنطن قررت الإسراع في إعلان واعتماد وكيل ثان يضاف للوكيل الأول “الإسرائيلي”؛ ليكون عينًا ساهرة على المصالح الأميركية في المنطقة، ولم تجد في الوقت الحالي أفضل من إيران، فبدأت واشنطن في رمي شباكها لاصطياد هذا الوكيل - المتحفز للعب هذ الدور - عبر ابتسامات وتصريحات معسولة، ثم التخلي عن فكرة التدخل العسكري لإسقاط النظام السوري، ثم التوصل رسميا لاتفاق جنيف حول نووي طهران، وأخيرا الابتعاد عن المعارضة السورية بقرار تعليق دعم هذه المعارضة. ولا ندري ما هو القرار التالي في سلسلة العروض الأميركية للدول الإيرانية علها ترضى عن أميركا وتوافق على وظيفة الوكيل الرسمي المعتمد لواشنطن في المنطقة. إن واشنطن ومعها طهران لديهما إصرار على عقد مؤتمر جنيف 2 الشهر المقبل؛ لان هذا المؤتمر هو النافذة الدولية التي سيطل منها بشار الأسد مجددًا ويحصل على شرعية دولية بعد أن ظن العالم العربي على الأقل أنه اختفى “اكلينيكيًا” ولم يعد سوى الإعلان رسميًا عن اختفائه عن الساحة السورية بأي شكل (يمني أو تونسي أو ليبي) كان. وفي هذا السياق، يمكن أن نفهم تصريحات المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي ايه) مايكل هايدن، الخميس الماضي (12 ديسمبر) أمام المؤتمر السنوي السابع حول الإرهاب الذي نظمه معهد جيمس تاون، حيث قال إن انتصار بشار الأسد في سوريا قد يكون الأفضل بين ثلاث سيناريوهات مرعبة جدًا جدًا لا يتضمن أي منها انتصار المعارضة. وأضاف “إن أحد الاحتمالات هو أن ينتصر الأسد، وفي حال تحقق هذا الأمر وهو أمر مخيف أكثر مما يظهر، أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الخيار سيكون الأفضل بين هذه السيناريوهات المرعبة جدًا جدًا لنهاية الصراع. الوضع يتحول كل دقيقة إلى أكثر فظاعة. إن المخرج الأكثر احتمالاً حاليًا هو “أننا ذاهبون إلى تفتت البلاد بين فصائل متخاصمة”. وفي ظل رفض المعارضة السورية - حتى الآن - المشاركة في مؤتمر جنيف 2، الأمر الذي يهدد بإفشال المخطط الأميركي الإيراني، كان لابد من التفكير في طرق للضغط على المعارضة لتغيير موقفها باتجاه المشاركة. وتمهد واشنطن للقبول الدولي ببشار ونظامه من جديد عبر هذا القرار بالتخلي عن دعم المعارضة ومن ثم تشجيع النظام السوري للتعاون أكثر معه فيما يتعلق بالتخلص من الأسئلة الكيميائية وتهدئة الأوضاع الميدانية. كما أن واشنطن ربما وجدت أن المعارضة تكاد تقترب من إسقاط النظام السوري، خصوصا بعد أن أعلنت فصائل إسلامية عدة في سوريا نهاية نوفمبر الماضي تشكيل “الجبهة الإسلامية” التي تعتبر حاليا أكبر تجمع للقوى الإسلامية المسلحة في البلاد، وهدفها هو إسقاط النظام السوري، فسارعت واشنطن إلى سحب دعمها لهذه المعارضة لإعادة ميزان القوى إلى ما كان عليه من ضعف للطرفين معًا أي النظام والمعارضة وبما يجعلها قادرة على توجيه وضبط الأمور لصالحها في أي وقت شاءت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .