إن تضخيم الدور “السلبي” الذي يقوم به الإعلام واتهامه بأنه الذي يعرقل حركة النهضة والتنمية في البلاد أمر به إساءة للدولة المصرية بكل إمكاناتها وقدراتها وكفاءاتها، فهو يصور الدولة وكأنها عاجزة عن منافسة هذا الإعلام “الخاص” والذي لا يتعدى بضع قنوات أو ربما وجوه إعلامية معدودة، فهل هؤلاء الأشخاص وبعضهم كان داعمًا ومساندًا للرئيس محمد مرسي أثناء الانتخابات الرئاسية في مواجهة منافسه أحمد شفيق، هل هؤلاء أقوى من الدولة؟ وهل من الصحيح أن تختزل جميع أزمات مصر ومشكلاتها في هذه القنوات الفضائية؟ إذا كان الأمر كذلك فلتذهب هذه القنوات إلى الجحيم، ولكن عندها هل سيتغير الحال وتتبدل الأمور ونجد أنفسنا أمام مجتمع جديد بلا أزمات، بلا انقسامات، بلا تشوهات، بلا خروقات؟!
الأخطاء الإعلامية والابتعاد عن الحيدة والمهنية لا يقتصر على تلك القنوات التي تحرص الرئاسة والحكومة على توجيه اللوم لها، بل إن الأمر يكاد يكون ظاهرة عامة في معظم القنوات الفضائية، فإذا كانت هذه القنوات التي توجه إليها أصابع الاتهام تشوه الواقع وتقوم بتضخيم المشكلات، فإن القنوات الأخرى “الموالية” للسلطة تقع في أخطاء اشد خطورة وذلك عندما تنزلق إلى أساليب غير سوية وتستعمل ألفاظًا لا يجب أن تصدر من أشخاص يفترض فيهم التدين وحسن الخلق وطيب المعاملة حتى مع من يسيئون إليهم لأن معظمهم يحمل لقب داعية إسلامي قبل أن يكون إعلاميا، كما يقومون بتجميل الواقع وتزيينه بكل محاسنه ومساوئه رغم أن المطلوب منهم هو الأمانة في نقل الواقع والإخلاص في النصيحة والمصداقية في القول والفعل حتى لو انحرف الآخرون عن دورهم. فهل هذا الإعلام “الباسم” الذي لا يرى إلا إنجازات ولا يتكلم إلا بالنجاحات هو الذي تريده الدولة؟ وهل هذا الإعلام سيخلق وعيًا مجتمعيًا بقضاياه ويسهم في حل أزماته ومشكلاته؟
ويبقى المشاهد هو الحكم الفصل في هذه القضية، وقد أثبت المواطن المصري وعيًا فاق توقعات الجميع، واثبت أنه ليس من السهل تغيير قناعاته التي يؤمن بها وواقعه الذي يعيش فيه ويشعر به أكثر كثيرًا من جميع الإعلاميين الذين يعيشون واقعًا مختلفًا ولا يكادون يشعرون بحقيقة ما يعانيه هذا المواطن لكنهم يكتفون بالتعاطف معه من خلال بعض الكلمات والمقابلات التي يوجهون من خلالها رسالة بأنهم مع هذا المواطن حتى يتم حل جميع مشكلاته والنهوض بمستوى حياته، وربما يكون هذا هو سبب استغراق هذه القنوات في المشكلات والأزمات أي للتأكيد على أنهم مهتمون بهذا المواطن.
فالإعلامي رغم أنه قد يكون صادقًا فضلاً عن كونه محقًا في التعبير عن تعاطفه وتأييده للمواطن البسيط، إلا أنه في كل الأحوال لا يعاني كما يعاني هذا المواطن من تلال من المشكلات الحياتية التي يعيشها هذا المواطن والتي ربما لا تخطر على بال هذا الإعلامي.
وقد أثبت المواطن المصري أنه قادر على التمييز بين الطيب والخبيث، وقد ظهر ذلك في جميع المحطات التي تم الاحتكام فيها لهذا المواطن للتعبير عن رأيه كما حدث في الانتخابات الرئاسية والتشريعية وأخيرًا الاستفتاء على الدستور والذي تمت الموافقة عليه رغم الحملات الإعلامية المستمرة والمضادة لهذا الدستور، ثم تجلى هذا الوعي الشعبي في الانتخابات الطلابية وانتخابات النقابات المهنية والتي لم تسلط عليها الأضواء الإعلامية ورغم ذلك منيت جماعة الإخوان المسلمين بخسارة في معظم الجامعات والنقابات مقارنة بما كانت تحققه في السنوات الماضية عندما كانت في صفوف المعارضة وهو ما يعكس تراجعًا كبيرًا في شعبية الجماعة، لا يمكن إرجاعه بالقطع للإعلام حيث كان هذا الإعلام بعيدًا عن هذه الانتخابات ولم يتحدث عنها إلا بعد أن توالت المفاجآت في نتائج الانتخابات.
خلاصة القول إنه برغم الأهمية الفائقة للإعلام في أي مجتمع إلا أنه لا يمكن تحميل هذا الإعلام المسؤولية عن كل الأحداث والأزمات حيث يظل الإعلام بالنهاية مرآة عاكسة للمجتمع وقضاياه بصورة أو بأخرى، وإذا كان هناك شطط في الإعلام الخاص، فيجب أن يكون ذلك دافعًا ومحفزًا لتقوية الإعلام الرسمي بما يجعله قادرًا على المنافسة والتفوق عندما يتحلى بالمهنية والموضوعية والمصداقية، فالإعلام لا يمكن ولا يجب أن يكون “باسمًا” طول الوقت، لكنه يجب أن يتمتع بالشفافية والمسؤولية على طول الخط.