انشغلت مصر انشغالاً كبيرًا ومبالغًا فيه بقرار النيابة العامة ضبط وإحضار الإعلامي باسم يوسف على خلفية التهم الموجهة إليه وفي مقدمتها إهانة رئيس الدولة، الدكتور محمد مرسي وازدراء الأديان ونشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير صفو السلام العام بالدولة.
وبدت مصر وكأنها تعيش حالة من الرفاه التي جعلت من تلك القضية تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمامات المصريين ما بين شامت في الإعلامي باسم يوسف وبين داعم له ورافض بشدة للتحقيق معه في تلك القضية “الخطيرة” التي تمس حرية الرأي والتعبير عن الرأي.
بل إن بعض الذين دخلوا في معارك كلامية وتصريحات نارية ضد باسم يوسف انقلبوا في مواقفهم وأعلنوا تضامنهم معه في “محنته” والبعض الآخر ممن خفت صوته انبرى للحديث عن الرسالة الإعلامية “الهادفة” التي يقدمها باسم يوسف في برنامجه الساخر.
ولا يخفى أن هذا الاهتمام يعود بالأساس إلى أن المعارضين للسلطة والمتربصين بالرئيس وجدوا ضالتهم في تلك القضية ليستمروا في كيل الاتهامات للنظام وتشويه صورته أمام المواطنين بعد أن فقدوا المقومات الموضوعية والأسس الحقيقية لاستمرارهم كمعارضة وطنية لها وجود شعبي ومشروع وطني وهدف قومي.
ومع إقرارنا بوجود تجاوزات من بعض القنوات الفضائية وخروج عن الموضوعية المطلوبة والمهنية المفترضة والمصداقية المنشودة إلا أن هناك حقائق أخرى لا يجب أن تغيب عن بالنا ولعل من أبرزها:
- إن الإعلام عمومًا لا يصنع الخبر وإنما هو ناقل له، بمعنى آخر هو لا يصنع الواقع وإنما يصف هذا الواقع، وهناك من يصف بدقة وآخر قد يضيف مواصفات تبتعد قليلاً أو كثيرًا لكنها تظل بالنهاية مرتبطة بهذا الواقع.
- من المعروف أن الإعلام لا يركز على المألوف من الأخبار وإنما على غير المألوف منها وغير المعتاد، فالإعلامي يميل بطبعه للاهتمام بالظواهر السلبية أكثر من اهتمامه بالإيجابية منها، فقد تكون هناك أمور كثيرة إيجابية وصحية ولكن الإعلام يمر عليها مرور الكرام باعتبارها هي الأصل الذي يجب أن يكون، بينما يتوقف هذا الإعلام كثيرًا عند الحوادث والسلبيات من أجل توضيح أبعادها ومخاطرها ووضع الحلول المناسبة لها من خلال آراء الخبراء والمختصين وهذا هو المطلوب أن يقوم به الإعلام الجاد والهادف.
وقد يكون هذا التوقف عند الأمور السلبية من أجل الإساءة وتوجيه الانتقادات والاتهامات التي لا طائل من ورائها سوى تشويه الواقع ولوم أصحاب القرار وإظهارهم بمظهر العاجز عن تحمل المسؤولية وأداء المهمة، وهذا هو الخطير في الأمر، أي أن يكون كل اهتمام الإعلام منصب على إبراز تشوهات الواقع – والتي لا يخلو منها أي مجتمع - والمبالغة فيها دون تقديم حلول لها، فهنا تفتقد الموضوعية وتنعدم المسؤولية وتختفي الوطنية.
- من الخطأ تحميل الإعلام المسؤولية عن جميع الأزمات والمشكلات، والخطأ هنا له أكثر من بعد منها أن هذا الإعلام ربما يتحمل جزءا وجزءا ضئيلا من المسؤولية عندما ينحرف عن مهمته، إلا أنه ليس المسؤول ابتداءً عن هذه المشكلات بمعنى أنه ليس الموجد لها والمتسبب فيها، فالإعلام قد يشفي غليله من السلطة بالتركيز على وتضخيم هذه المشكلات والأزمات وجعلها في بؤرة اهتمامه وصدارة أولوياته وقد يتجاهل الكثير من الأمور الأخرى الإيجابية، وهذا خطأ بكل تأكيد ولكنه ليس المتسبب على أي حال في المشكلات التي تتواتر على المجتمع لأسباب كثيرة ليس من بينها الإعلام.
والقول إن الإعلام هو السبب الرئيسي لأزمات المجتمع هو قول خادع بكل تأكيد ربما يراد منه صرف الأنظار عن جوهر القضية ولب المشكلة والتي تتمثل في قرار رئاسي أو حكومي غير مدروس بصورة جيدة وشاملة.
فهل هذا الإعلام كما يقول رئيس الوزراء المصري الدكتور هشام قنديل هو الذي غطى على الإنجازات التي تحققها الحكومة؟
الإجابة بكل تأكيد هي أنه لا الإعلام ولا أي شيء آخر قادر على التغطية على هذه الإنجازات إن وجدت لأنها ستتحدث عن نفسها وسيشعر بها المواطن في كل مكان، وسيكون هو المدافع عنها ولن يسمح لأي وسيلة كانت التقليل منها أو تشويه صورتها. فعندما تكون هناك إنجازات يشعر بها المواطن لن يتمكن هذا الإعلام من أن يقف ضد التيار لأنه عندئذ سيفقد كل مصداقية وسيتخلى عنه جمهوره ومصادر تمويله وسيجد نفسه مضطرًا لأن يغلق أبوابه أو أن يغير من نفسه.