يطيب لي أن أتفاخر أحياناً بأنني جئت بتركيبة تقول “أجساد الأوطان كأجساد بني الإنسان”، وذلك بأن يجري على الوطن (أيّ وطن كان) ما يجري على الإنسان، من صحة ومرض، وعافية موفورة أو “مدمورة”، وأن الإهمال الذي يدهور صحة الإنسان هو نفسه الإهمال الذي يضعف الأوطان، وأن البشر في الوطن كما كريات الدم البيضاء، يقومون على سد الخلل، ومقاومة المرض وغيرها.
وإذا كان من الصعب على المرء أن ينتقل من حال إلى حال دفعة واحدة وإلا سيفاجأ جسده، وهذه المفاجآت بعضها يضر كثيراً بالصحة العامة، فإن الأوطان تفعل الفعل نفسه، وتحتاج إلى الكثير من التهيئة من أجل هذه الانتقالات. فلقد مرت أوطاننا (الخليجية منها خصوصاً) بهزّات عنيفة، ليست كلها سيئة، فالطفرة النفطية في سبعينات القرن الماضي، كانت من الاهتزازات الكبرى، والخلخلة البارزة في النظم بأجمعها، ترتبت عليها تغييرات جذرية في البنى التحتية، وتغيرات مهمة في العلاقات الرابطة بين الحكومات والشعوب، بل وبين الشعوب العربية والخليجية بشكل متبادل، وعملت تحولات جمة على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حتى ما عاد الناس يتعرفون على أنفسهم في بعض المحطات، فلقد كانت التغيرات أكبر من أن يعيها ويستوعب آثارها الناس، ولم يكن هناك من مجال للوقوف والتأمل، إذ إن ذلك سيشبه إلى حد كبير من يريد تأمل أمواج المدّ العملاقة (تسونامي) وهي متجهة صوبه مباشرة.
الأمر ذاته، ينطبق على الاتجاه الآخر على الصعيد الاقتصادي، حيث مررنا بعدد من الوهاد الاقتصادية خلال السنوات الأربعين الماضية، ولكن التعلم من هذه الوهاد قليل، وأخذ الدروس لم يكن بالشكل الملائم. فالإنسان يعاني من الصداع في حينه، ولكن جرّب أن تطلب من أحد أن يتصور ألم الصداع وهو في أحسن حالاته، في الغالب سيسترجع ذكرياته، ولكنه لن يسترجع الألم نفسه، وبالتالي، فإنه ما إن تزول المشاكل الاقتصادية المتأتية أساساً من آلام التقشف المؤقت، حتى ينسى الناس ما عانوه، ويعودون إلى سوابق عهدهم من البذخ والإنفاق، وذلك على المستوى الشخصي أو المستوى العام.
إنه شبيه بالتخمة التي يصاب بها الإنسان عند أكله أكثر من حاجته وطاقته، فيصاب بالخمول والترهل والرغبة في النوم، ومع تكرار هذا الفعل لا تلبث الأمراض أن تغزوه، وتستوطنه، فتسمى الأمراض المزمنة، ويصبح التخلص منها صعباً، ومواجهتها أصعب، وتركها واحتقارها يزيد الجسم سوءاً، كما ترك الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الناشئة عن هذه التحولات التي تصاب بها المجتمعات، يمكن أن تودي بالأوطان إلى حلول صعبة، ومؤلمة من أجل العلاج، إن امتلكت الأوطان الشجاعة والإرادة والصبر على الحل. وقبل ذلك، أن تملك المعرفة الكافية والإيمان بأنها في مشكلة لابد من حلها، أو أنها مقبلة على مشاكل أكبر في الغد إن لم تبادر لحل مشاكل اليوم. أما ما يحدث في الكثير من دول العالم الثالث، وهذا ما جعلها ثالثة على الدوام، هو “كسب الوقت”، بتأجيل الحلول الناجعة، ومعالجة الأورام السرطانية بالبنادول والمسكنات، بدلاً من تحمل المسؤولية بشجاعة، ومعالجة المشاكل بنجاعة.
في هذه الأيام، تكثر علينا العناوين بالأسود الثخين في الصحف اليومية القائلة بتخفيض النفقات، وترشيد الإنفاق، وعقلة المصروفات، والمراجعات بعد المراجعات للإجراءات، والتقشف، والتراجع، وشد الأحزمة، والنظر في الموازنات، وترشيح الأزمات لأن تتصدر المشهد المحلي العام، والبدء برفع الدعم عن اللحوم، وترويج سلسلة من الرفوعات الموعودة، حتى وإن لم ينعكس هذا الأمر على الأوضاع العامة للناس جراء رفع الدعم، فإنهم سيذعنون في نهاية المطاف.
إن هذه الإجراءات اليوم للمرور بالوطن من مضيق تراجع أسعار النفط، تحيلنا بالتأكيد إلى الجسم البشري الذي يرى صاحبه نفسه في المرآة ويتأمل قبح ما يشاهد، فيذهب إلى الإجراءات الأكثر تطرفاً، فيقوم بإلغاء وجبة رئيسية، والتخلص من عادات غذائية سيئة، فلا يضاعف الإفطار يومياً، في البيت مرة وفي العمل مرة، وليس شرطاً أن تكون الوجبة في منتصف النهار من ما قلي في الدهن من “السنبوسة” وأشباهها، ويريد الإنسان أن يصل إلى الوزن المثالي بالسرعة التي تجعله راضيا عنه نفسه. الكثيرون يكتشفون بعد فترة قصيرة من “عذاب” الرجيم أنهم أنهكوا أنفسهم في وصلة من العقاب اللامتناهي، فيعودون إلى سابق عهدهم من العادات الغذائية، بل وربما ينتقمون من مرحلة التجويع والتعطيش وغيرها، فيعود الجسم أسوأ مما كان عليه، مع ضعف أشد في الإرادة، وحالة شعورية من الإحساس باليأس واللاجدوى.
ماذا لو تعود الإنسان على التوازن، وراقب نفسه، ونظم سير حياته، ومارس الرياضة المناسبة بانتظام، وتجنب الثابت ضرره في غذائه؟ ماذا لو تعودت الأوطان أن تنمي من دخلها ولا تعتمد على مصدر واحد من الدخل بشكل أساسي، وأن لا تعتاد التراخي والتأجيل، وأن لا تسرف في شد الأحزمة لأن ذلك سيولّد فقر الدم، ولا في الإفراط في البذخ على نفسها، لأن هذا سيعني انسداد الشرايين ذات يوم لفرط أمراض المجتمع الفاقد للحيوية جراء التدليل غير المبرر، نعم هناك مجتمعات أكثر تدليلاً لأنفسها من الأخرى، ولكن النتائج نفسها التي تحدث في كل مرة.
لا أدري إن سبقني أحد في تشبيه الأوطان بالإنسان، ولكن ليس هذا هو بيت القصيد، ولكن في جسم الإنسان أعضاء إن تأثرت ومرضت فإنها لا تعود أبداً لسابق عهدها، وهذا ما يتطلب المراقبة اللصيقة حتى لا يترك الوطن أيضاً يصاب ببعض الأمراض التي لا يُرجى شفاؤها، وتبلغ الروح الحلقوم، حيث لا يمكن ساعتها عمل أي شيء منقذ.
لقد كثرت الإشارات والتنبيهات المجانية الآتية من الدراسات والأبحاث العلمية، وتلك التي دفعنا فيها أجوراً باهظة الأثمان، وكلها تلتقي عند النقاط نفسها للمشكلة، وتعود لتلتقي مجدداً عند نقاط الحل، ولا أحد يدري ما الذي ننتظر.