العدد 2242
الخميس 04 ديسمبر 2014
الحكومة التي أريد غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 04 ديسمبر 2014

ربما قبل نشر هذا المقال، أو معه أو بعده بقليل، يكون قد انقطع دابر الإشاعات الممجوجة التي توزّر أناساً، وتنزع الوزارة من أناس، في ما اصطلح عليه البحرينيون بأنه “بالون اختبارات”.
وفي الحقيقة لا أدري لمن الاختبار، فبالإمكان تصور كيف يمكن يجري اختيار الوزراء، والمعايير التي توضع لاختيار من سيشغل واحدة من هذه الوزارات التي سبق وأن أعلن جلالة الملك أنه لن يكون هناك وزراء إلى الأبد، وهذا أمر طبيعي لأن كل إنسان لديه طاقة اندفاع تطول أم تقصر، ومن بعدها يعود إلى الروتين والركود، فإن كان جيداً جرى نقله إلى مسؤولية أخرى حتى يتجدد نشاطه، فيكون كالماء إن جرى طاب وإن لم يجرِ لم يطب؛ أو أن يُشكر على ما قدّمه في فترة عمله، ويحل غيره محله، كسنة من سنن الحياة.
عندما أشرتُ في العنوان إلى “الحكومة التي أريد”، فكنت أعني ما أريده شخصياً، لأنني لم أوكّل للحديث عن الآخرين أو باسمهم، فلا أدري ما الذي يريدونه من الوزارة المقبلة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكثير من الناس يتحدثون عن مجلس النواب الذي يريدون ويأملون وإليه يتطلعون، ولكن مجلس النواب - على ما له من أهمية في منظومة السلطات، فإن للحكومة (السلطة التنفيذية) عمقاً مهماً ترسخ عبر العقود، أو منذ بدأ التنظيم الحديث للدولة، مع خطوات المستشار تشارلز بلغريف، الذي قيل فيه ما قيل، ولكنه وضع أسس التنظيم الإداري للدولة، ولا تزال بعض الأمور تدين له البحرين بها.
ولأن الحكومة الجديدة مرهونة بالبرلمان الجديد، بمجلس النواب وما أسفر عنه من انتخاب 30 وجهاً جديداً، وما يقال أن العدد نفسه مرشح لأن يكون في مجلس الشورى من حيث التجديد، فالحكومة أيضاً تحتاج إلى مجاراة هذا التجديد بواحد من الشكلين: إما تغيير مواز في الحجم، وإما تغيير بسيط اعتماداً على الخبرات التي قادت العمل الحكومي في السنوات السابقة، إن كانت هناك من القناعة ما يكفي أن المحصلة النهائية من عمل الحكومة خلال السنوات الماضية كان من الجودة والإحكام بما يكفي بأن يستمر البيت الحكومي على ما هو عليه.
الحكومة التي أريد هي حكومة مغايرة لحكومة المجلس الماضي، والتي تشكلت معه، فالبحرين في 2010 ليست هي بحرين ما بعدها بأشهر قليلة، إذ إن القلاقل التي مرت بها البحرين، وتغيرت على إثرها وجوه عديدة في الوزارة سابقاً، واختبرت وجوه، ثبت منها من ثبت، وتزعزع فيها من تزعزع. كانت حكومة مختلفة أشبه ما تكون بحكومة أزمة.
وحتى وإن كانت السنوات التالية التي هدأ فيها إلى حد كبير غبار ما حدث في 2011، فإنها بقيت تعيش أجواءها، وتتعامل مع الكثير من الأحداث من خلالها. الأزمة بشكل عام انتهت من الوجود على الساحات كما كان الوضع سابقاً، ولكنها موجودة في مفاصل الحياة اليومية. لقد كفّت الحكومة السابقة ووفّت، وفعلت ما يمكنها فعله، والقراءة المتأنية لحكومة 2011 سيحتاج بعض الوقت، ولكن من المؤكد أن بحرين 2014 ستكون حكومة أمل ، الأمل الذي به نحيا ونتنفس، وعليه ننام لنصحو من أجله في الغد.
الحكومة تتميز بانضباط أكبر من الناحية المالية والإدارية، ففي الناحية المالية، كانت الحكومة الماضية، كسابقتها، كسابقتها مثقلة بالملاحظات الآتية من خلال ديوان الرقابة، وهذا ما على الوزير الجديد العمل على الحد منه، حتى لا نكون مبالغين وطوباويين ونقول الانتهاء منه نهائياً. والمسؤولية تقع على الوزير بصفته المسؤول عن المؤسسة التي يرأسها، فإن أحسن انعكس الحسن عليه، وإن تراخى أو أهمل أو قصّر، أو إن... أفسد فإن هذا يعود إليه طبعا، فلا عذر لمن يقول إن المسألة لا تتعدى فرداً أو أفراداً في مؤسسة ما.
ومن الناحية الإدارية، فمنذ استطعت تمييز الكلمات والتعرف على معانيها في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، وأسمع بالمحسوبية، الواسطات، والترقيات لأسباب لا تمت بصلة لجودة العمل ولا الأقدمية ولا الكفاءة ولا التميز ولا المبادرة.
الحكومة الجديدة خفيفة الحركة، لا تدور فيها الأوراق دورة المشتري حول الشمس، ولا تذبح في بيروقراطيتها المشاريع والآمال والطموحات، ولا تقارن فعاليتها بفعالية حكومات أخرى ويكون الفارق سنوات ضوئية ليست في صالح حكومتنا، حكومة تأخذ بيد المستثمر والمبدع، تأخذ بيده.. لا على يده بأن تمنعه أو تعرقله.
أريد حكومة تمتن الجسور مع الناس أكثر، تجعلهم شركاء، ولا يوجد شريك لا يريد أن يربح،  شريك حاضر دوماً، لا أن يلبس بشته، أو يشد رباط عنقه في المناسبات البروتوكولية ليكون واجهة فقط، لكي يبدأ الناس بعدم رمي القراطيس بشكل مسفٍّ ومخربش لصورة البحريني التي سمع البعض بها ويعيش اليوم التناقض بين الشخصية البحرينية التي يسمع البعض عنها، والشخصية البحرينية التي يراها، والعين أصدق من الأذن في الغالب.
أريد حكومة إن حُدِّثت أصاخت السمع، وأخذت خير ما في الحديث ورمت الباقي وراء ظهرها، تنجز لتخرج البلد من الخطوط التي تغزو وجهها، إلى نضارة الشباب المتجدد. والحقيقة أن ليس في البحرين عيب ظاهرة، ولكن ما لم ننتبه إليه أن الدول المتنافسة بضراوة بذلت الكثير الكثير بحيث لا تخسر الرهان، فتسارعت بناها التحتية في النهوض، والقوقية في التألق، ونحن لا نزال نتغنى بأسبقيتنا التي لا تطعن ولا تسدّ عن طعنة في عالم العين عنده مقدمة على الأذن.
لعلها تكون حكومة فوق ما تمنيت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية