العدد 2221
الخميس 13 نوفمبر 2014
زرع الثقة في المجلس النيابي المقبل... وما بعده غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 13 نوفمبر 2014

العلن، نقلت الجماعات الفكرية صراعاتها إلى الساحات الاجتماعية والمجتمع المدني، تطبيقا للمثل القائل: “من فاته اللحم فعليه بالمرق”، ومادام لحم السياسة لم يُطرح في الأسواق، بما فيها سوق النخاسة؛ فلا أقل من مرق التنافس على القطاعات الأخرى، ومنها قطاع الصحافة الذي لم يخلُ من تنافس كهذا، وجمعيات أهلية واستهلاكية، ومؤسسات ثقافية، وصناديق خيرية، وكل ما يمكن من مؤسسات تتخذ من الانتخابات طريقاً لتسييرها.
في واحدة من هذه المؤسسات المدنية، كان هناك مجلس أمناء على درجة عالية من “الحنبلية” الفكرية وليست المذهبية، وكان الرأي الغالب فيه والمؤثر يميل تجاه طيف سياسي بعينه، ولعملي في المجال الصحافي، وبحكم تغطيتي الإخبارية مع هذه المؤسسة، توطدت علاقاتي ببعض الفاعلين في مجلس الأمناء هذا، ورأيت أن بإمكانه أن “يطيِّن” عيشة مجلس الإدارة، وبإمكانه أن يشلّه عن العمل، أو أن يعرقله على الأقل، فقط لأن الأهواء غير متفقة، والرؤى السياسية غير منسجمة، حتى قيّض الله في إحدى الانتخابات أن يأتي مجلس متوافق فكرياً وسياسياً، مع الطيف الأوسع من مجلس الأمناء، ولأن عمل هذه المؤسسة مهم في المجتمع، تجاسرت وقلت في جلسة غير عملية لمن أعرف: “الآن المجلس منسجم معكم بشكل لا ريب فيه، فاعطوه من الصلاحيات ما يمكّنه من تحقيق الأهداف والمرامي التي تودّها جمعيتكم، فأي مكسب سيتحقق لمجلس الإدارة سيتحقق لمجلس الأمناء، وبالتالي سيكون دفعاً لفكركم السياسي أيضاً”.
في الحقيقة، لم يكن دافعي الانتصار لهذا التيار أو ذاك، فأنا كما وصفني أحد الناشطين “صديق للجمعيات”، لا أضدّها ولا أنحاز معها أو ضدها إلا إن أتت منكراً، ولكن الأساس أن يتم إنجاز انتظرته الفئة التي تخدمها هذه المؤسسة. إلا أن مجلس الأمناء سار على نهجه السابق، وأفشل عمل المجلس الجديد، كأي صاحب طبع غالب على أي شيء آخر.
كل هذا الذي تقدم، يشبه إلى حد كبير العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، وهو المسار نفسه الذي تتخذه العلاقة بين الطرفين من دون أن يكون هناك ربط بين نوعية المجلس ونوعية ما يصدر منه، والتعاون بين السلطتين في كل الأحوال.
ففي الفصل التشريعي الأول (2002 - 2006) قاطعت المعارضة المتمثلة في عدد من الجمعيات الدينية والليبرالية الانتخابات النيابية، واكتفت بالبلدية، و”جاهد” أناس يمكن اعتبارهم شجعاناً اليوم، لأنهم تجاوزوا الكثير من الحرج، والكثير من الشكوك، والكثير من مخاوف التجربة الأولى، ومع ذلك، فإنهم عندما رفعوا رؤوسهم من انشغالاتهم، وجدوا أن دور الانعقاد الرابع على وشك الانتهاء، وأنهم لم يحققوا مستوى الطموح الذي دخلوا به إلى المجلس، وحملوا على كواهلهم ما لم يحمله سواهم نظراً لعدم التعاون الكامل بين السلطتين، مما أخر مشاريع بقوانين عديدة.
وفي الفصلين التشريعيين التاليين، دخل الجميع إلى المجلس، وحصلت المعارضة السياسية على مقاعد عدة، ولولا قليلاً لانتصف المجلس المنتخب لها، ومع ذلك، فإن حظ المجلس أفضل من حظ سلفه من حيث التعاون، وظلت الشكوى تتكرر، والإشارات تتبادل، والتبرّم يراوح مكانه.
وإذا كان أعضاء المجلس الأول (ومن دون تقييم تفصيلي لأدائهم البرلماني) قد تحمّلوا الكثير ليمرّ في المخاض الصعب، ويبدأ التجربة من دون ما إبطاء، ويتحمل الكثير من الأثقال؛ فإن ما حدث في الفصل التشريعي الثالث، وخصوصاً في مارس 2011، تجربة غير مسبوقة أيضاً، وجديدة، ومفاجئة، وذلك باستقالة كتلة جمعية الوفاق على خلفية الأحداث التي انتهت، فخلا المجلس من نصفه تماماً. ما قيل وسيقال عن الانتخابات التكميلية، وعن الذي طرحوا أنفسهم للترشح، الذين فازوا منهم والذين خسروا هذا السابق الانتخابي، خصوصاً في المناطق التي تعتبر معاقل لـ “الوفاق”؛ شيء كثير، وهم في هذه الحال أكثر “مغامرة” من سابقيهم لأن الأوضاع ما كانت هي هي، ولا منطلقات المقاطعة هي هي، ولا الظروف المحلية والإقليمية هي هي. أما النتيجة العامة، فهي هي لم تتغير، ولم يُحسب لهذا المجلس؛ أي فضل باهر وبارز، ولم يمكَّن هو أيضاً من أن يقول إنه على الرغم من كل شيء، فإنه استطاع اختراق الكثير من المشاكل، وأنقذ التجربة البرلمانية البحرينية في ظروف كانت كقطع الليل لولاهم.
في الفصل التشريعي المقبل (2014 - 2018)، سيكون أمام السلطة التشريعية مجلس أقل ما يقال فيه إنه متوافق فكرياً إلى حد أكبر من ذاك الذي أتى في الفصل التشريعي الأول، وأقل ربما من المجلس التكميلي. وأخذاً بالظروف السياسية وسواها، فإن هذا المجلس سيكون تجربة جديدة أخرى أمام مسألة التعاون فيما بين السلطتين. فالفصول التشريعية التي مرت، ومشاركة المشاركين، ومقاطعة المقاطعين، لم تكن إلا تعبيرات مختلفة، وإن انحرفت الدفة أحياناً من أيدي ممسكيها.
إن السلطة التنفيذية لديها القدرة على “مكافأة” المجلس المقبل خصوصاً فيما يتعلق بالجوانب المعيشية التي يتوسّل بها المترشحون اليوم، ليحققوا بعض ما وعدوا به ناخبيهم، من دون النظر إلى من سيتقدم بالمشاريع، ومن الذي سيصطف معه أو ضده، فالناس ستنسى هذا وسيبقى ما ينعكس عليهم إيجاباً، وهذا ما سيعزز ثقة الناخب بالمجلس الذي بقي موضع شك وسخرية واستصغار لأن العائد من كل فصل تشريعي لا يكاد يلمس، ولا يملس الإنسان في الوقت الراهن إلا ما يدخل في جيبه مباشرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .