العدد 2176
الإثنين 29 سبتمبر 2014
لو كان الضرب يفيد غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 29 سبتمبر 2014

على هامش المحاضرة التي ألقاها الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى في المنامة، وقف الكاتب الصحافي الكويتي فؤاد الهاشم ليطرح سؤالاً جوهرياً “منذ 80 عاماً والإخوان المسلمون يتعرضون للهجوم والتضييق والملاحقة والحظر، ومع ذلك، عندما فتح أمامهم باب الانتخابات في مصر فازوا.. كيف يمكن تفسير هذا؟”. وكان جواب موسى منطلقاً من تفسير واقعي إذ قال: “عندما كانت الدولة تتخلى عن واجبابتها في أي مفصل، يأتي الإخوان ليسدّوه، فخلقوا لهم شعبية”، أو كما قال.
ولقناعة شخصية بأن تنظيم الإخوان المسلمين يختلف عن تنظيمات أخرى ظهرت منذ حوالي 30 عاماً، أو قد يكون بعضهم خرج من تحت عباءة الإخوان المسلمين ليؤسس له تنظيمات ذاهبة إلى التشدد حتى أقاصيه، وليس الجميع في سلة واحدة، إلا أن سؤال الهاشم سيظل يتردد مع تغيير العناوين. فهاهي أقوى قوى العالم، الحاملة معها أشدّ أنواع الأسلحة فتكاً وذكاءً وقدرة، المتمكنة من الجو والبر والبحر، وأظهرت فيها الفساد، تلاحق طالبان مباشرة منذ 2001، ولم تستطع أن تهزم هذا التنظيم المكون من أناس لم يذهب أكثرهم المدارس في مراحلها الأساسية. وها هو ذا تنظيم القاعدة ينمو ويتمدد ويتعدد ويفرخ ويتسرطن، ولا أحد يمكنه وقفه أو الحد من خطورته، يظهر تارة في الصومال، وتارة أخرى في نيجيريا، ويضرب في دول أوروبية، ويظل برأسه في أندونيسيا والفلبين. واليوم تظهر لنا “داعش”، ويكثر حولها الحديث والجدل: من يموّل؟ من يغذّي؟ من وراء التنظيم؟ وكعاداتنا الأثيرة، والتزاماً بالعادات الأصيلة، والتقاليد المرعيّة، فلقد حافظنا على مسافاتنا من الفحص والنقد، ففريق يقول إنه صنيعة دول عربية بعينها، وفريق يقول إنه وليد مخابرات أجنبية بذاتها، وهذا يقول إنه يخدم أعدائي، وذاك يقول إنه عدوّي، والناس في حيص بيص.
إننا أمام جملة من التساؤلات، حيث لا يمكن أن يقول أحد إننا بعيدون عن هذه المؤثرات، فإننا نسمع أن نفراً من أبنائنا يقاتلون إلى جانب هذا التنظيم، ونعلم أن هناك قراراً بالحرب على “داعش”، وربما تصيب قذائفنا أبناءنا، وإن كانوا مارقين، فنحن معنيون بالأمر في الحالتين، وعلينا مناقشة مسألة التطرف لدينا بشكل أكثر عمقاً وهدوءاً من مجرد “ثلة” من الشباب “المغرر بهم”، فهذه الجملة غير الرنانة، لا تعفي أحداً من المسؤولية. فالبحرين ليست بلداً مترامي الأطراف، تفصل جباله سهوله، وليست أوديته بالوعورة والعمق بحيث لا يمكن الوصول إلى البشر فيها، بمعنى “كلنا عيال قريّة.. وكلّ يعرف أخيّه”، فمن أين تنبع هذه التصورات المتطرفة والوحشية عن العالم؟ ومن أين يتسلل هذا الفكر التدميري؟ وإلى متى سننزف من جراح صغيرة اليوم، ولكنها قد تكبر في الغد؟ ومن المسؤول عن بث الوعي الصحيح بين الشباب، وتعليمهم أن الحياة أغلى وأهم وأعز من هكذا نزوات؟ من يؤسس لهذا الإحباط بين الشباب حتى يسهل التغرير بهم؟ هل الأوضاع الاقتصادية؟ نعلم أن بعضهم ينتمون لأسر متوسطة وأعلى قليلاً، بمعنى أن الفقر ليس سببا هنا. هل الجهل؟ إن من بين من ذهبوا للقتال مع “داعش” من بعض الدول المجاورة كانوا يحملون شهادة في الطب. هل جمعيات وجماعات وتجمعات؟ ربما... ولكن من هي وما مسؤوليتها المباشرة عن تجنيد الشباب، وأين الأجهزة الأمنية عن مراقبتهم؟ هل التطرف فكر غريب علينا... حسناً من أين جاء؟ ولماذا وجد له منصتين ومستمعين وملبّين؟
كل هذه الأسئلة وعشرات غيرها يمكن أن تجد لها مكاناً اليوم، أو ربما بعد أن تضع الحرب على “داعش” أوزارها، هذا إن وضعت هذه الأوزار، ولم تتحول المسألة إلى مسلسل طويل جداً بنهايات مفتوحة. ومع ذلك، فإنها أسئلة لازمة الطرح على أعلى المستويات، وعلاجها لا ينبغي أن يكون تقليدياً يدور في جنبات الصندوق المعتاد، لأن هذا العلاج لو كان ناجعاً وذا فائدة في الهزّة الأولى عندما تسلل أبناء لنا إلى أفغانستان إبّان الغزو السوفيتي له في الثمانينات، لما تكرر الأمر نفسه عندما ذهب نفر منهم إلى أفغانستان مجدداً مع انبلاج القرن الحادي والعشرين، ولو عولج الأمر في إبّانه لما قيل إن هناك من كان يجنّد الأولاد في المساجد، وينتهي اليوم المطاف بهم تحت هطول القنابل من الجو وصواريخ التوماهوك من البحر، فنعذّب أنفسنا بأيدينا، ولو ترك الشأن للتفكير والعلاج نفسه (على افتراض أن هناك علاجاً أساساً لما يحدث)، فسنرى المزيد من المتسللين من تحت الثوب، إلى أثواب طرأت لا تعرف إلا التشدد والإقصاء والإلغاء وعدم القدرة على التعايش مع الواقع، خصوصاً مع اتساع الثوب البحريني اليوم وتعدد مصادر خيوطه وألوانها.
إن اتخاذ “الدّك” العسكري حلاً، ربما (أكرر: ربما) هو أمر ضروري لاستئصال الخطر الأساسي الذي يأتي من تنظيم يتسع ويتمدد ويهدد ويمارس ما يمارس من فظائع يندى لها الجسم بأجمعه، لأنها تلصق بالعرب والمسلمين، وكأن سمعتنا تنقصها المزيد من السيئات، ولكن العلاج العسكري والأمني يثبت يوماً بعد يوم أنه قد يكون آخر الدواء، وربما ينفع إذا ما عجزت جميع الخيارات الأخرى عن أن تحقق أية فائدة، ولكن اليقين المبني على التجارب السالفة الذكر يشير إلى أن الملاحقة الأمنية وحدها لا يمكنها أن تمنع الفكر المتطرف، بل ربما يعمل التضييق على تقوية وتغذية بعض أنواع الأفكار التي تقوم على المظلومية، وصحة المعتقد كلما كان مستهدفاً. إن هناك من يستفيد دوماً من وجود هذه التنظيمات حتى يشدد قبضته الأمنية ويخوّف الناس بها حتى تلجأ له وتحتمي بحماه وتستظل به، وحتى يستنزف خيرات الأمم باسم محاربة الإرهاب، ومصدر دفع الفواتير واحد في كل الحالات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .