العدد 2172
الخميس 25 سبتمبر 2014
مجلسٌ نتمناه غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 25 سبتمبر 2014

إذ يتبقى أقل من شهر على بدء الانتخابات بشقيها البلدي والنيابي للمرة الرابعة بحرينياً في القرن الحادي والعشرين، فإن الوقت لا يزال مبكراً جداً لاتخاذ أي موقف حيال المجلس المقبل، مجلس 2014، لأنه لم يفتح بعد باب الترشح، فلنترك للأمل فسحة بأن يكون مجلساً مثمراً كما نتمناه. ولكن حقيقة: ما الذي نتمناه من المجلس؟
لقد أصبح مجلس النواب البحريني منذ انطلاقته في 2002 مادة للتندر، ولصبّ جام الغضب عليه وعلى أعضائه، ومع اجتهاد الكتل النيابية بإصدار كتب وكاتلوجات أحياناً تحاول من خلالها تبيان كمّ الجهد الذي بذلته تشريعياً ورقابياً، وأسئلة ومقترحات برغبة ومقترحات بقوانين، وكم الإنجازات التي تحققت؛ إلا أن المزاج العام أشاح ببصره عن المجلس، ولا تؤثر فيه كل هذه المحاولات الإقناعية، وليس على لسان الناس، أكثر الناس إلا عبارة واحدة متشابهة في المحافظات الأربع اليوم، وهي “المجلس ما سوى لنا شيء”!
لم يمنح الجمهور المجلس الفرصة منذ شهوره الأولى، وكالوا له التهم، وصار مادة للتهكم، وموضوعاً لمسرحيات ساخرة، فضلاً عن المواد الصحافية والتعليقات والمقالات والتحليلات والرسوم الكاريكاتورية، ومع ذلك يتدافع الكثير من الناس من أجل الترشح، وفي النهاية يفوز الأربعون، و”ما يمدح السوق إلا من ربح فيه”. وإذا كان من المعلوم سبب ارتفاع منسوب هذه النفرة في التجربة الأولى بسبب مقاطعة عدد من الجمعيات السياسية للانتخابات لتحفظات معينة، فإن المقاطعين عادوا للمشاركة بعد أربع سنوات من دون تغييرات جوهرية لما قاطعوا من أجله، ومع ذلك ظلت الانتقادات ذاتها للمجلس متواصلة.
خلال السنوات الأولى من عمر المجلس، أي حتى الأسابيع الأولى من 2011، كان مجلس النواب في حالة من التجريب لضبط تروسه، وتلمّس إمكانيات عمل أناس لم يعتادوا العمل مع بعضهم البعض، وتوجهات ظلت متنافرة عن بُعد لا تكاد تعرف عن ما سواها الشيء الكثير، وانقسامات جادة. وكانت بعض التجارب تنجح إلى حد ما، وبعضها تُشد من قبل هذه الجذور الراسخة حتى تمنع اللقاء، إلى جانب القوى المستفيدة من حال الشتات والتشرذم التي لم تكن لتريد أن يكون المختلفون تحت سقف واحد. أما وقد جمعهم هذا السقف، فلا أقل من ألا يعملوا معاً، ولا يتعاونوا، حتى على الإثم والعدوان، لأنهم إن اعتادوا التعاون وأدمنوه فهذا يعني نهاية الفُرقة الطويلة، وانهيار عروش بُنيت على تحصين الذات ضد الآخر، ويعني نهاية اللعبة التي ظلت تتغذى على خوفنا من بعضنا، وتوجسنا من أي نفَس، وتفسير كل شاردة وواردة على أنها تحمل في طياتها خديعة لابد من الالتفات لها. ستكون الأمور متشابهة في النهاية، فالساذجون المبسّطون للأمور، سيدفعون الأثمان ذاتها التي يدفعها المتوجّسون والشكاكون في الآخرين، إنها الخسارة الكبرى، والتفريط في الفرص، واتخاذ مواقف لا معنى لها إلا النكاية حتى ولو على حساب الذات، فقط حتى لا يفرح الآخرون بنصر يحققونه، أو بخطوة يخطونها للأمام.
إن انقسام المجلس بين توجهين أساسيين: الملف المعيشي، والملف السياسي، يراه البعض نقيصة وضعفاً وشتاتاً، بينما يمكن أن نراه إيجابية وتوازناً وتكاملاً. فإن لم يكن بالخبز وحده يحيا الإنسان، فليس في مقدور السياسة الخالصة أن تسقي شربة ماء لحين تأتي مفاعيلها التي ربما تطول لريثما تتحقق. فليس عيباً أن يدفع كل جناح بملفاته معاونة الطرف الآخر، بدلاً من التربّص ونصب الشراك والفخاخ للطرف الآخر، فدائماً ما تعقد اتفاقات ومواثيق شرف في هذه الحالات، أشبه ما تكون بأسلوب “شيلني وأشيلك”، خصوصاً أن أي ملف يتحرك في المجلس لن يخص منطقة أو طائفةً.
نريد مجلساً مهاب الجانب، قادرا على المحاسبة. فكم من القضايا الكبرى التي تاهت عن مجال التركيز بسبب عدم انسجام المجالس، وكم ضاع من الجهد والوقت في القضايا الجانبية من دون التوجه إلى بؤرة التركيز؟! وكم استنزفت المناوشات الداخلية من طاقات المجالس؟ وكم بذل بعض النواب جهوداً في الظهور بمظاهر أبعد ما نحتاج إليها، فيها بعض التسلية، وكثير من إضاعة الوقت من دون المجابهة بالأرقام والحقائق والدراسات والبحوث العلمية من أجل أن يقف الجميع عند مسؤولياتهم، فهم مسؤولون!
نتمنى مجلساً قادراً على أن يتضامن في برنامج مشترك يكون هو إنجازه في السنوات الأربع التي ستلي انتخابه، تتداخل فيه جميع الخيوط، ويُطرح بالكثير من الحماس والمتابعة، عندها يمكن أن تتغير قناعات الناخبين بجدوى التدفق لصناديق الانتخابات في المستقبل عندما يرون أن ممثليهم يحققون الإنجاز تلو الإنجاز، وأن النواب لا يتقدمون على المواطنين في المطالبة بحقوقهم، بل والحصول عليها (معاشات تقاعد النواب مثالاً).
نتمنى مجلساً يُعلي الوطن، فلا يقف مع استجواب أو يقف ضده لمجرد انتماء الطرف المستجوِب أو المستجوَب للمخالفين في الانتماء. إن المشي على الآلام وتحملها يعدُّ نبلاً، لا يكتمل إلا بأن هذا التحمّل يأتي في مصالح الوطن العليا، وليس لأمزجة وأهواء لها مآرب غير معلنة.
نتمنى مجلساً نيابياً استوعب دروس المجالس السابقة، وعلم أن أعضاءه لن يكونوا محمودي الآن ولا الغد، وأنهم سرعان ما سيبتلعهم الحراك، وأن البحرين تحت ضغوط شتى ولا تتحمل الترهات، خصوصاً عندما تأتي من أناس تم استئمانهم، وجرى تفويضهم من الشارع المحلي ليتحدثوا نيابة عنه، فليقتصد الأعضاء في الحديث، ويسهبوا في الرقابة والتشريع.
نتمنى مجلساً نشير إليه مفاخرين، مجلساً يكون بداية حقيقية للعمل البرلماني البحريني.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية