قال المصريون “المال السائب يعلّم السرقة”، وهو واحد من أكثر الأمثال صدقاً، وإن كانت الأمثال لا تعارَض، ولكنه مثل صحيح جداً. فالمال السائب مغر، والأكثر منه إغراءً المال المحرّز، الذي يحرص صاحبه على حمايته والحرص عليه، ومن هنا يتضاعف الإغراء في الحصول عليه، وما دام العيون مُطبقة عن الآخذ، فلم لا؟
بطبيعة الحال، فإن الكلام هنا عن هيئة الذمة المالية، الذي أعلن عنها يوم الاثنين الماضي، والتي يبدو أنها تأخرت أربع سنوات، بعد صدور القانون رقم (32) لسنة 2010 بشأن الكشف عن الذمة المالية، وبعد عامين يصدر المرسوم رقم (82) لسنة 2012 باللائحة التنفيذية للقانون، ويصدر في 2014 الأمر الملكي رقم (26) بتشكيل هيئة فحص إقرار الذمة المالية.
إن دول العالم بأسرها تعاني من مشكلة الفساد الذي يدفع إلى الإثراء غير المشروع، وهذا الأمر ما يجعل المواطن الاعتيادي، سواء الذي تم استلاب ماله أو جزءٍ من ماله، أو من يرى أن المال العام يجري تبادله في صفقات يتم فيها تبادل المصالح، وبيع المشاريع دون وجه حق، أو يأخذ طرف قوي، وزير أو من في حكمه، أو أي متنفذ من أي طبقة كان، أموال الآخرين بالقهر والتهديد والكذب والتآمر والترغيب والوعود وغيرها من الطرق التي يجري فيها أخذ المال، فلا شك أن احترامه لوطنه سيتعرض للاختبار، ولن تجدي معه بعد ذلك الأغاني الوطنية أو أطنان الكتب في ترسيخ وزرع المواطنة، ما دامت النماذج الرسمية التي أقسمت على كتبها المقدسة، وأمام مرأى من المواطنين باحترام الدستور والقانون وصيانة الوطن، هي التي تمارس أبشع أنواع خيانة الأوطان، وأكثر تأثيراً وتدميراً؛ لأنها لن تسرق أو تثرى من مجرد دنانير قليلة، ولا الآلاف تكفيها، وكلما سرقت أكثر كلما أصيبت بالظمأ للمال أكثر، فهي لا تتوقف من جهة، ولا تتراجع قيمة سرقاتها من جهة أخرى، مستندة إلى منصبها أو قوتها وتأثيرها على الآخرين، وبالتالي تنعكس العملية كلها على الوطن وأهله الذين يفقدون إيمانهم به، كما يفقد الوطن سمعته في المجتمع العالمي على أنه أرض الفساد.
فالرغبة في التملك بشكل عام رغبة مشروعة، ولكن بعضاً من البشر يودّون التملك أكثر، ففي قرارة أنفسهم يجدون أن لهم أحقية في المزيد من المال أكثر من غيرهم، أو كما يقول جورج أورويل في “مزرعة الحيوان” متهكماً: “جميع الحيوانات سواسية، ولكن بعضهم أكثر مساواة من البعض الآخر”، لذا يأخذ البعض ما ليس من حقه، ويتطور الأمر للمطالبة بدل الأخذ، ثم يتقدم الأمر إلى المساومة على ما يأخذ، بمعنى ألا يكتفي بالأخذ كيفما اتفق، ولكن كم يأخذ، وهكذا يستمرئ بعض الناس هذه العملية إلى ما لا حدّ له.
وإذا كانت دول العالم جميعاً تعاني من هذا الوباء، الذي يحتاج معه كشف الذمم المالية، كواحد من الإجراءات المهمة في مساءلة المسؤولين “من أين لكم هذا؟”، والأنباء عن الفساد والرشاوى والعطايا والاستفادات المختلفة الأوجه عالمياً، والبالغة كلفتها - بحسب البنك الدولي في 2004 - أكثر من تريليون دولار سنوياً، أي أقل قليلاً من الناتج الإجمالي المحلي السنوي لدول مجلس التعاون مجتمعة؛ فإن الفرق الماثل بين نماذج من شمال الكرة الأرضية وجنوبها، وبين الكثير من الدول النامية، هو في وجود القانون أولا، وتطبيقه، وهو الأهم ثانياً.
فإذا خضع أرفع مسؤولي الدولة في البحرين لهذه الهيئة، وتم كشف ذممهم المالية، ورصد ما لديهم، وهم الوزراء، ووكلاء الوزارات، والبرلمانيون، والمديرون العامّون، والمحافظون ونوّابهم، ورؤساء البعثات الدبلوماسية والقضاة وأعضاء النيابة العامة ورؤساء وأعضاء المجالس البلدية، فإنه من المأمول أن يجري تجفيف بعض من منابع الفساد الكارثي الذي يمارسه البعض تبعاً لموقعه الوظيفي، وهي أمور نسمعها جميعاً، ولكن لا أحد يمكنه إثباتها قطعاً، وعدم القدرة على الإثبات يجعل الفاسدين في موضع الإفلات الدائم من المحاسبة.
ففيما تحمله الذاكرة أنه في مطلع هذا القرن، جرى نشر خبر يتيم عن إلقاء القبض على مجموعة موظفين في إحدى مؤسسات الدولة يتقاضون رشى بحكم مواقع عملهم، وتم نشر صورهم في الصحف (الصحيفتين لأكون أكثر دقة)، بعد أن تمت تغطية عيونهم. البعض قرأ الخبر في تلك الفترة على أنه واحد من مفاعيل الانطلاق الأول للمشروع الوطني الإصلاحي الذي وكأنه يطلق بوق التحذير بأن الدور سيأتي الجميع ليجري تنظيف الوطن من هذه الآفة. في الوقت نفسه قرأ آخرون الخبر بأنه لا قيمة له، إذ إن هؤلاء “المساكين” لم يعتدوا إلا على حفنة دنانير، بينما سارقو الملايين طلقاء، ويمارسون أدوارهم بتبجّح ظاهر، فالأولى ضرب المثل بالرؤوس الكبيرة للفساد التي لطالما بقيت في مناصبها من دون مساءلة، فقد اعتادت أنوفنا رائحة عفن الفساد النابع منها، حتى لم نعد نستنكره، بل ربما سنطالب به إن حدث وانقطع لأننا أدمنّاه!
رجاءان أختم بهما هذا المقال، الأول هو أن يسارع أصحاب الذمم الواسعة في تشغيل آلاتهم وآلياتهم في المزيد من استثمار هذه الفترة الفاصلة قبل أن يأتي الدور عليهم بإقرار الذمم المالية لهم ولأزواجهم وبنيهم، وتكون هذه آخر أعمال الإثراء غير المشروع بالشكل التقليدي، قبل الانتقال إلى الأشكال الجديدة.
والرجاء الثاني هو ألا تنتهي الهيئة الوليدة إلى ما انتهى إليه ديوان الرقابة المالية والإدارية، الذي يضع سنويا تقارير “تعلّ” القلب، وتتفطر له كل خلايانا، ونحاول تهوين الأمر الذي لا يهون، ولا أحد يتصدّى لهذا التقرير إلا بعد سنته العاشرة، ويعلم الله بالمبالغ التي جرى تضييعها في الفترة السابقة لنشأة الديوان.. كما يعلم الله السارقين من الوطن والسارقات، الأحياء منهم والأموات، فيكون حينها ألا تأتي الهيئة، ولو مبكرة، خير لها من أن تأتي أساساً.