العدد 2046
الخميس 22 مايو 2014
هل نقوى على “الآيدين الحار” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 22 مايو 2014

إذا ما أردنا أن نقنع طفلاً بأن يتناول الدواء، فإننا نجمّل له الأمر بأن طعمه حلو. وشركات الدواء أيضاً تقوم بتحلية أدوية الأطفال حتى لا يأنفوا تناولها، ولكننا في دواخلنا نعتقد أن الدواء الشافي، وذا الفعالية، هو ذاك الحقيقي ذو الطعم المر والرائحة النفاذة. وأن الميكروكروم (الآيدين) البارد لا يشفي أو يطهّر الجروح مثل فعالية الآيدين الأصفر الحار.
نتفق أن عمر البحرين/الدولة المستقلة لا يزيد اليوم عن 43 عاماً، وهو عمر صغير وحديث بمقياس دول متأسسة منذ مئات السنين، ولكن البحرين، وشعبها، ليسوا أطفالاً حتى يتناولوا دواءً حلواً، أو يستعملوا “آيديناً” بارداً، وكأنهم لم يصلوا إلى صلابة الكبار!
فلقد قرأنا يوم الأحد من هذا الأسبوع كلاماً عجباً، من زائرة وباحثة أوروبية تدعى دومينيكا بزودتشوفا، قد زارت البحرين، وأشارت ببعض العبارات في بحث لها نشر على موقع ماركوبوليس البحثي، عن زيارتها للمملكة، والتي قالت فيه كلاماً طيباً، ينزل برداً وسلاماً على البحرين وأهلها، ولكنه بعيد بعض الشيء عن الواقع إذا ما قيس بنظرة السائح الاعتيادي، وبعيد جداً عن الواقع، إذا ما أخذ على لسان باحثة، والبحث له أصوله التي تقتضي العمق والأمانة، فلا أدري أيّ الصفتين افتقدت الباحثة. ولكن مع ذلك فإنه من الممكن أن يُحمل الأمر على محمل الانطباعات الشخصية. فعندما تقول إنها لم تر حشوداً عسكرية في العاصمة إلا رجال المرور، فهذا قول تناقضه أعيننا، صحيح أن كلمة “حشود” لها معان تختص بالتجمع الكثيف من الناس، ومع ذلك فإن أعين الغريب تكون في العادة أكثر حساسية من أعين المقيم، التي ألفت المشاهد اليومية. ويمكن أن يعزى هذا الأمر إلى أن الباحثة لم تجل في الشوارع إلا ما قرب منها، وأنها لم تأت في مهمة تفتيشية، ولم تعمل على مسح جميع المناطق، ولم تعمل أدواتها البحثية حتى يتضح لها أن البحرين، وعلى الرغم من تراجع المسألة الأمنية اليوم عما كانت عليه بالأمس، إلا أن صحفها تضجّ وتعجّ بأخبار المحاكم التي لا تزال تنظر في قضايا ذات علاقة بالمشاكل التي أشارت إليها منذ أوائل 2011، وأن المتفجرات التي راح ضحيتها بعض الشباب من أهل الوطن قد تكررت في الأشهر الأخيرة، وهذا تطور لم يكن معروفاً ولا نزال لا نوليه اهتماما كبيراً. وأنه لا تزال الإطارات تحترق، ولا تزال المواجهات بين متظاهرين ورجال الأمن تحصل، ولا يزال، ولا يزال التوتر قائماً لعدم القدرة على التوصل إلى ما يمكن أن يسحب فتيل الأزمة أو يطفئه.. هذه الحقائق المبسّطة عند عرضها بشكلها الطبيعي، من دون تعظيم ولا تقزيم، من شأن ذلك أن يقدم الصورة الحقيقية في عصر ما عاد لأحد أن يجد مكاناً يختبئ فيه، ولا يمكنه أن يخبِّئ أي شيء أيضاً.. عصر يمكن لأيٍّ منّا أن يقول فيه ما يشاء على الطريقة القديمة البالية، ويدّعي صولة الأسد، أو جمال بلقيس، أو جسداً كأجساد أهل ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ولكن من سيصدّق مادامت شبكة الإنترنت يمكنها أن تحمل إلينا كل ما يمكن أن نضعه في المصفاة لنستنبط الواقع من دون توشية أو تشويه؟! ومادمنا في ذكر الإنترنت، فهذه واحدة أيضاً من السقطات التي وردت في الخبر المشار إليه آنفاً، حيث ورد نصّاً ما يلي “وأشارت دومينيكا إلى أنه عند كتابة كلمة “البحرين” لا يمكن العثور على شيء إيجابي عن البحرين على المؤشر البحثي لجوجل؛ إذ يكتفي فيما يبدو بنشر الصورة السلبية النمطية فقط من جانب واحد حول انتهاكات لحقوق الإنسان واستجوابات غير مشروعة على غير الحقيقة”.
وهنا لا أدري هل هو جهل الباحثة، أو خلل وعوار في الترجمة، أم الاثنان معاً؟
فـ “جوجل” ما هو إلا وعاء يتم تزويده “طوعاً” بالمواد، وهذا الوعاء الذي تجري فيه سنوياً أكثر من 1.2 تريليون عملية بحث على مستوى العالم، لأكثر من 146 لغة، لا يرفض أية معلومات يمكن أن يزوّد بها، وبأية كثافة كانت، وبأي شكل، سواء كانت كلمات أو صورا أو مقاطع فيديو، أو رسوما، أو غرافيكا، وعشرات الأشكال الممكنة الأخرى التي يعجّ بها هذا المحرّك الذي يجول في شعاب الإنترنت، فإذا ما كانت المعلومات التي تحصّلت عليها الباحثة عن طريقه لم تكن إلا سلبية، وهذا مثار شكّ، فيا لبؤس من يكتبون بشكل إيجابي، أو على الأقل لنقل، بشكل مختلف، عن البحرين. أين ذهبت كتاباتهم، وأين “الحقائق” التي قيل إنه تم تشكيل فرق لنشرها وبثّها، وأين المتحمسون الذين قالوا إنهم سيتصدون للحملات المضللة عن البحرين، وتلك المغرضة التي تبثّ وتشير إلى أنها “دولة غنية بالنفط ودولة إسلامية منغلقة على نفسها، يديريها حكم استبدادي صارم” بحسب ما ورد في الخبر؟!
بمراعاة “أجنبية” الباحثة، فالبحث في جوجل عن كلمة Bahrain يظهر فوراً مليارين و120 مليون نتيجة بحث، لم تر منها الباحثة أي أثر إيجابي؟ أم أنها أرادت التوصل إلى النتيجة التي اختتم بها الخبر “ثمة حاجة حقيقية إلى تغطية صحافية إيجابية منظمة، ليست بصورة عشوائية، لتحقق التوازن حول سمعة البحرين التي تم تشويهها عمداً بشكل ممنهج عالمياً” وأرجو الالتفات إلى التالي “ولابد أن يتم ذلك عبر استعانة السلطات المعنية بمساعدة خبراء دوليين في هذا الميدان لإخراج البلاد من دائرة التشويه التي أريدت لها”!
أعتقد أن الرسالة الترويجية لجلب المزيد من الخبراء الدوليين وصلت، لأن خبراءنا المحليين “لا يسوون فلساً”، فمازال هذا الشعب حفنة أطفال، لم يقو بعد على “الآيدين الحار”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .