العدد 2039
الخميس 15 مايو 2014
“سبوس” الإعلاميين ودجاج المصالح غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 15 مايو 2014

التقدير على أداء متميز ومشرّف، أو إنجاز استثنائي، أمر جميل ورائع، والأجمل والأروع أن يأتي على حين غفلة، والمقدَّر منهمك في أداء عمله الذي لم ينتظر عليه تقديراً أو شكراً، والمقدِّر شخص التفت إلى هذا المنجِز الذي لم يطالب بأن يتم تقديره، جمال وروعة هذا تبادل أنه يتم من دون طلب ولا شكوى ولا استجداء، ويأتي بنفس طيبة وبدافع ذاتي وليس بحسبات وحسابات هندسية خالية من الروح.
ولم نسمع من قبل عن تكريم وتقدير لمشاريع نصف منجزة، أو أحاط بها الفشل، فالنجاح له ألف أبٍ ومدَّعٍ بالأبوّة، ولكن الفشل لا أب له، لا يتشرف به أحد. بل سيأنف الكل من مجرد النظر إليه. ومن يعتقد أن مجرد السعي كاف للتقدير، فهو يخادع نفسه، لأن الأمور بخواتيمها، وخواتيم “المعركة” البحرينية لم تضع أوزارها بعد.
هناك من تعاطف مع حملة “إعلاميون.. من يقدّرنا”، وصفهم (كما وصفهم وزير الخارجية) بالجنود، الذين يذودون عن الوطن، في الرخاء والشدة، لذا فهم ينطلقون أساساً من إيمان عميق، وليس من دافع وظيفي، ومن يؤمن بمبدأ يمكن أن يضحي بنفسه من أجله، ولا ينتظر حمداً ولا شكوراً من أحد، وكذلك لا ينتظر تقديراً. ولكن ليس معنى هذا أن يفاجأ بالنكران من قبل مسؤوليه، فهذا لعمري هو الخسران المبين، خصوصاً إن تبيّن أن وراء الأكمة ما وراءها، وأنه لم يكن إلا “حصان طروادة”، أو “مخلب قط” لحسابات أكبر وأبعد من أن يطالها بنظره الكليل القصير.
في وقت أزمة البحرين، والأنفاس تتلاحق، والأحداث لا تترك مجالاً للتفكير، وشبكات التواصل الاجتماعي قد بلغت حدَّ السخونة، والأخبار لا يمكن لأيٍّ منا معرفة صحيحها من كذبها، وحقيقتها من مبالغتها، توسّمنا العقلانية والهدوء والرويّة في بعض من نعرف من الإعلاميين، فرأيناهم وقد ساروا في ركب السائرين، لبسوا الدروع أو كشفوا عن صدورهم العارية، امتطوا صهوات وسائلهم، وخاضوا المعركة عن آخرها، وعادوا وقد نالوا من “عدوّهم”، أو نال منهم، والجروح قصاص. قلنا لهم لا تثخنوا في الأرض، إنما أنتم إعلاميون، سواء كنتم في أجهزة رسمية حكومية أم خاصة أهلية، أي أنكم مراقِبون. انقلوا الحدث بما يتاح لكم من أمانة، وبما تستطيعون من الشفافية، وهكذا ستخدمون وعي الوطن الذي هو أكبر من “معركة” مهما كانت حامية الوطيس، إلا أنها معركة، لأننا في حرب طويلة، حرب مع معيقات التنمية والتطوير والتقدم، لا في حرب مع أنفسنا وأجزائنا وأطرافنا... أينما كنتم تعملون، لا تفضحوا هذه المهنة بالانحياز في زمن يعي أكثر الناس ما الانحياز وما العقلانية، اتركوا مجالاً للرجعة، ليس لكم شخصياً، ولكن لكل الأطراف، لا تعمّقوا الخنادق، لا تبصقوا في الآبار التي ستعودون لتشربوا منها، لا تتحدثوا عن طرف وطرف “آخر” كأنه وراء متاريس الأعداء. من أوهمكم من الأساس أنها حرب وأنتم تخوضونها؟ من زيّن لكم أنها “أم المعارك”؟ من أوحى لكم أنها نهاية التعددية ومن بعدها ستكون الأرض خالصة لكم؟ من قال إن الخاسر في المعركة سيندحر إلى الأبد؟ من قال أساسا إن هناك من سيربح من هذا العبث كله؟ لا يغرّنكم هذا التقدم على رقعة الشطرنج حيناً، لأن الأيام دول، وما تقدمته اليوم ستخسره في الغد، وستعود عليك أعمالك وتحيط بك، كما أحاط كفار قريش بالمسلمين الذين اطمأنوا في “أحد” أنهم قد انتصروا فانكبّوا يطلبون الغنائم و”التقدير” الذاتي لما فعلوه... ليس منا من هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس منا كافر كعبدالله بن قمئة الكناني، ولكن كان علينا أن نقبل ببعضنا، وننظر إلى البعيد، بعد أن نفرغ من كل هذا الدرن والصديد الذي ضجَّ به خطاب كل فريق تجاه الآخر، هل يمكن من بعدها أن نتعايش؟ وهل يمكننا أن نخادع أنفسنا قبل أن نحاول خداع الآخرين بالقول إننا إنما نعني من يشارك مباشرة في الحدث من هذا الفريق أو ذاك، ونحن نعلم أن الخطاب موجّه لكل أعضاء الفريق من دون استثناء، وأن من ليس لهم شأن اليوم سيكون لهم شأن في الغد عندما يغلبهم التعاطف مع أهليهم وأبناء طائفتهم، وشركاء فكرهم، ويتحول المحايدون إلى فاعلين ومشاركين... فكم من محطة سابقة مررنا بها إن كنتم تذكرون، وربما لا تذكرون لأن كثيراً منكم لم يكن حينها يمارس هذه الصنعة الكيميائية الدقيقة التي يمكن بخطأ واحد، أن تفجر المعلم بما فيه، فالإعلام مهنة لا تتحمل الأيادي المرتجفة ولا المتهورين والعاطفيين، لأنها ستفضي إلى “المواطن الصحافي” الذي لا مسؤولية عليه فيما ينقل، ولا يهمه الآثار التي ربما تكون مدمّرة جراء ما ينقله أو يتوهّمه من أخبار، ويدّعي أنه إنما يمارس حقه الطبيعي في التعبير عن رأيه!
لقد صنع بعض الإعلاميين (من أي طرف كان، وفي أية وسيلة يعمل) من نفسه “سبوساً” للجهة التي ينتمي إليها، وعلّق المهنية معطفا على المشجب ونسيه معلقاً، هذا إن كان يمتلك معطف المهنية من الأساس، لذا لعبت بالسبوس دجاج المصالح، واللاعبون الذين لا قبل للجنود بالجلوس على طاولة المفاوضات، أو مجرد الاستماع إلى المفاوضات. وهذا التنزيل الإرادي للقيمة لم يأت إلا بالابتعاد عن جوهر المهنة وأساسها.
عند أية تسوية، أو فتح صفحة جديدة، يجري التخلص – في الغالب – من آثار الماضي، وكل ما يذكّرهم به. هكذا قيل عن رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل الذي خرجت بلاده بقيادته ودهائه، منتصرة في تلك الحرب، ولكنه فشل في الانتخابات لأنه يذكر الجماهير بأيام البؤس والحرب والدمار على الرغم من كل ما فعله لبلاده.
سيرى العاطفيون أن هذا التصرف جحود، ولكنه أمر طبيعي، وخصوصاً عندما تحدث تسويات، فليس من المعقول إزاحة الجنرالات، ولكن من الممكن تحميل جنود صغار تبعات خسائر المعارك، خصوصاً أننا في مجتمع لا يعرف سياسة الاعتذار، ولا تعني له شيئاً.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية