العدد 2036
الإثنين 12 مايو 2014
مسجد صعصعة.. وحاجتنا لـ “الصحصحة” غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 12 مايو 2014

ليس في المشهد الذي تصاعد في الأسابيع القليلة الماضية من تخريب حاق بمسجد صعصعة، أية غرابة سوى التخريب نفسه، لأن المسجد في مكانه منذ سنوات، هل هي عشرات أم مئات، لا يهم، فمادام مسجداً فهو مسجد ولو بني بالأمس فقط، فهذا أمر لا مرية فيه ولا جدال.
الغرابة أيضاً تنصرف إلى أنه موجود في مكانه منذ عشرات أو مئات السنين، لا يهم، ولم يتعرض للتخريب، فما الذي استجد اليوم حتى يتعرض هذا المسجد إلى التخريب والنهب والعبث على مراحل تذكرنا بنظرية “النافذة المكسورة”، وهو موضوع سبق الحديث عنه في هذه الزاوية قبل سنوات، وملخصها أن وجود نافذة مكسورة في مبنى، ولا يتم إصلاحها، سيكون مغرياً بكسر بقية النوافذ. هذه النظرية كنت شاهداً عليها في الأيام القليلة الماضية بوجود إعلان على الطريق إلى منزلي لصالح جهة خيرية للتبرع لبناء مشاريع في بلدان عربية أو إسلامية، وكان هناك فتق في قماشة هذا الإعلان بمقدار قدم واحدة.. ظل الفتق لأيام، وإذا بي أفاجأ ذات يوم بثلاثة من الصبية يتسابقون بقذف الإعلان بالحجارة لتوسيع فتقه، في اليوم التالي لم أر إلا الإطار العام للإعلان... إنها النظرية نفسها يبدو أنها تعمل بشكل متواز في كل الأزمنة، ومختلف الأجناس، لأنها نظرية صدقت عندما أطلقت في الولايات المتحدة، وصدقت في البحرين، وقابلة لأن تصدق في أي مكان ربما. فهل هذه “تخريجة” لما حدث في المسجد؟
ليس تماماً، لأن المساجد – مع ما لها من حرمة كونها بيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه – ومع كمّ كبير من الأحاديث والروايات والقصص التي تشير إلى حرمة المساجد وفضلها وفضل من يسعى إليها، والصلاة جماعة فيها، وما يجيده ويعرفه المتخصصون خير مني؛ فهي – في الحقيقة – لا تعدو حجارة وتراباً وأسمنتاً وزجاجاً وحديداً وجميع ما ندركه من مكونات البناء، فليس في الطوب والأسمنت مشكلة، وليس زجاج نوافذها (المساجد) مصنوع من مواد خاصة قد أتت إلينا من كوكب آخر، بل يمكن شراؤها من الأسواق، وشراء ما هو أفضل منها أيضاً، ولكن المسألة الرمزية هنا تتلخص في التعدّي والاعتداء على المسجد، وفي غياب فاعل حقيقي معروف؛ فيمكننا إحسان الظن حتى الرمق الأخير، حتى لا يجرفنا العنت والتشدد إلى ما لا يحسن بأناس يعيشون القرن الحادي والعشرين.
مربط الفرس في حادث “مسجد صعصعة” هو: هل نحن نعيش حقاً القرن الحادي والعشرين؟ أكاد أشك في ذلك، بل تيقنت وانتهى الأمر. فإن ما أفرزته الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، وإن كان قصير المدى نوعاً ما، ويُحمد الله تعالى على كل حال، ومنها أن تخريب المسجد، وهو فعل كريه مقزز ومنبوذ ومعزول، قد مرّ – تقريباً – بعد أن استفرغ الجهد، وقال كل من قال، وأسهم كل من أسهم، باستفراغ ما كان منحبساً في النفوس، وتم صبّه على أوراق الصحف، أو عبر شاشات الهواتف في أشكال مختلفة من التعاطي مع هذه “القضية” تجاوزاً، ونجح من نجح في إثارة الكوامن، وذهب البعض إلى البحث عن صاحب المسجد ومآثره، وذهب البعض في التيقّن من وجود هذه الشخصية من عدمها عبر التتبع التاريخي، واشتغل آخرون بمدى صحة ما رُوي عنه، وانشغل فريق بالذود عن سيرته.
أما صحافتنا، فلنا معها وقفة، في تناول بعض كتاب الزوايا لما حدث بالمسجد من إسقاطات سقيمة، والضرب تحت الحزام، مع تساؤل كبير: كيف يمكن لإدارات الصحف أن تسمح بهذا النوع من الكتابات أن يأتي على أوراقها من دون أن تدرك أن كثيراً من هذا التناول ما كان له أن يجد طريقه للنشر لو أن هناك معايير حقيقية تراعي المسؤولية المجتمعية، والحدود التي يقف عندها النقد، والحدود التي يبدأ عندها الحسّ العام بكيفية المعالجة الحكيمة والمترفعة عن المهاترات، والمترفقّة بالمجتمع الذي لا يزال طرف منه لا يعرف اتجاه البوصلة، ولا أين يذهب في المقبل من الأيام، فلقد تلقينا جميعاً هراوات ثقيلة على رؤوسنا جعلت حليمنا حيراناً، قلة منا استطاعت أن تتجنب وقع هذه الهراوات على رؤوسها فلم يصبها ارتجاج في المخ والإنسانية، وبعضنا الآخر، يتعافى اليوم، ولكن كثرة من الناس فيها من الهشاشة ما لم تتحمله أو تتخيله، وبالتالي، فلقد تأثرت أيّما تأثر بما حدث لنا قبل سنوات قليلة، واليوم وبعد ثلاث سنوات ونيّف على ما حدث، فإنه من السهولة تسميم الأجواء بالغازات سريعة الاشتعال، ولا ينقصها إلا حوادث من مثل “مسجد صعصعة”، حتى يصحو فيها مزيج الخوف والتردد والشراسة والعبوس والقنوط وستر العورات وراء عباءات الطائفية، وهي للأسف موجودة ومتوفرة بكثرة ومستعدة لأن تتسع حتى تكون هي الانتماء الأول المقدَّم على بقية الانتماءات بما فيها الانتماء إلى الوطن نفسه، وهذه قصة ليست بالجديدة علينا، لأننا – وفي الكثير من الدول العربية المفتقدة لما يجمع أبناءها – نعيش هذه الانتماءات التي تعلو وتتضخم من دون أن يكون لها ما يؤطّرها، ويضعها موضعها الحقيقي.
نعم، قد نحار في أنفسنا ما إذا كنا نعيش في القرن الحادي والعشرين حقيقة أم أننا نمرّ به بتبدّل التاريخ، هذا العصر الذي يستوجب علينا الانغماس في ما يمكن أن يضيق المسافة الهائلة الفاصلة بيننا وبين أقرب الأمم التي تنهض لتلحق بأواخر عربات قطار التقدم، ويستوجب علينا بذل جهود مضاعفة في الانحياز إلى العقل، ويفترض علينا الإيمان بتجارب الآخرين الذين مروا بما نمرّ به، وانتهوا إلى أن يدعوها بعدما أزكمت الأنوف بنتنها، بينما لا نزال مشدودين لكل ما يثقلنا إلى الماضي في غيبوبة من قصص ومناظرات عقيمة لا نصحو منها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية