العدد 2025
الخميس 01 مايو 2014
المشي على حبال العلاقات الدولية غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 01 مايو 2014

تمر البحرين منذ ما يقرب من السبعة أشهر بمرحلة ربما لم تشهدها من قبل في جانب النشاط الدبلوماسي، وذلك بزيارات الدولة التي تقوم بها القيادات العليا للدول التي تتوسم فيها مناطق واسعة للقاء والتفاهم والتعاون، وهي في مجملها ليست دولاً هامشية أو صغيرة، بل بعضها يقع ضمن الدول الكبرى، والدائمة العضوية في مجلس الأمن (كالصين وروسيا)، وبعضها يتطلع ليكون بالصفة نفسها ذات يوم (الهند)، وعدد آخر من الدول التي لها مع البحرين روابط شتى. ولا يمكن لأي مراقب أن يخطئ بوصلة الدبلوماسية البحرينية في هذه الأشهر، إذ إنها تتجه شرقاً، إنْ من الناحية الأوروبية، أم من الناحية الآسيوية، وهي بالتالي دبلوماسية واقعية تقرأ المشهد الدولي العام، وتعرف جيداً أن هناك تغيرات كبيرة تحدث في موازين القوى الدولية، وأن روسيا التي تنازلت رغماً عنها عن دورها الدولي في لحظة ضعف، عندما لامست قدماها قاع الهزيمة الفكرية، وتعرض نموذجها الذي عكفت على بنائه والدفاع عنه، ونشره، وبعدما آمنت به (على المستوى القيادي على أقل تقدير) عندما كانت قلب الاتحاد السوفياتي، ومحور المعسكر الاشتراكي؛ استطاعت من بعد هذا الانحدار (وإن شئنا قلنا: الانحطاط)، أن تلتقط أنفاسها، وأن تثني ركبتيها مجدداً، مستمدةً عزماً كبيراً على الانطلاق إلى الأعلى مجدداً، وها هي اليوم تعيد جانباً من الأمجاد السوفيتية الغابرة، وتقارع القطب الأميركي في هذا الحين بما يذكّر بأزمة الصواريخ التي نشأت في ستينات القرن الماضي، بما جعلها واحدة من أكثر اللحظات توتراً بعد طيّ صفحة الحرب العالمية الثانية.
ولا يمكن لأية دولة أن تناطح وتنبري بقوة على المستوى الدولي، إلا إن كان لها حظ وافر من القوة العسكرية التي يمكنها أن تترجم هذه المواقف المتصلبة، بل والمبادرة أيضاً في بعض القضايا الدولية التي نتفق معها أو نختلف، ولكن هذا لا ينفي القدرة والقوة لديها. ولا يمكن لقوة عسكرية أن تسير وحدها من دون داعم أساس من قوة اقتصاد. وليس اقتصاد اليوم بذلك الشكل البسيط الذي كان عليه قبل أربعة قرون، بل هو اقتصاد معقّد تتداخل فيه عوامل كثيرة، يؤثر على رسم السياسة العامة للدولة، ويسيّر السياسة ويؤثر عليها. من جانب آخر، فإن الحديث عن جمهورية الصين الشعبية أكثر من معروف ومشهور، بالثقل الدولي الكبير للصين اليوم، ومساعيها لتحقيق “الحلم الصيني” الذي يوازي “الحلم الأميركي” لأن الصين باتت اليوم أكثر ثقة من ذي قبل بأنها القوة الاقتصادية الضاربة التي تخطط للسنوات العشر المقبلة أن تزيح الولايات المتحدة عن تربعها على عرش الاقتصاد العالمي، وهذا له دلالاته التي لا تخطئ، فالقوة الاقتصادية تعني صوتاً أعلى، و تأثيراً أعمق على المستوى العالمي، فلابد من توثيق عرى الترابط والصداقة مع هذا القطب الجديد الطالع من رحم تجربة جعلته عاكفاً على ذاته لعدد من العقود، قبل أن يجد الرياديون من القادة الصينيين دروباً أخرى يسلكونها غير تلك التي سلكها الأب الروحي للصين الجديدة ماوتسي تونغ، وهذا ما منح الصين القدرة على تفجير طاقاتها الكامنة، وتحولها من دولة لعبت فيها الدول الكبرى في القرن التاسع عشر عبر “حرب الأفيون”، وامتصّت خيراتها، واقتطعت منها هونغ كونغ عدواً وزوراً؛ إلى دولة أخرى تمتلك من القوة ما ترهب به عدوّها، وهي قوة متعددة الأوجه، متعددة المنافذ، لا يمكن التقليل منها، أو الإشاحة عنها، بل عين الصواب هو السعي لنسج من المزيد من العلاقات التي ترتدّ خيراً وفيراً للبحرين التي لو وُضعت في الصين لذابت بكل يسر وسهولة. فالبحرين هي المستفيد الرئيس من هذا الاقتراب والتقرّب من التنين الصيني. أما الهند، فهي في شغل شاغل منذ عقود مضت لكي تصل اليوم إلى ما وصلت إليه، وما تخطط للوصول إليه. فهي قد قررت وخططت، وتنفذ اليوم خططاً من شأنها أن ترفع من كل مؤشراتها الاقتصادية، بما تملكه من خزّان بشري يقارب الصين، ويقارب، مع فتح للاستثمارات المحلية والأجنبية، ما وفّر جوّاً من المنافسة على اجتذاب هذه الاستثمارات، ونجحت الهند في هذا الباب، وصار “وادي السيليكون” الهندي من المناطق التي يسعى إليها الكثير من الشركات الكبرى في العالم لتطور أنظمتها.
إن الرسالة التي يمكن قراءتها بوضوح تام من دون الحاجة لفك الرموز والشفرات، هي أن العالم اليوم مليء بالأقطاب، التي قد تكون نامية وطالعة، ولكنه في المستقبل القريب سيكون لها شأن أعلى وأعظم. وليست أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة، فقط من يمكن الاعتماد عليه سواء في الأوضاع الطبيعية، أم في الملمات، ولم تعد 99 في المئة من أوراق الحل بيد طرف واحد، لو أحسنّا توزيع الأدوار، وشد خيوط التوازنات الدولية. فحتى أبسط المباني يتم وضع أكثر من باب طوارئ فيها، فليس من المنطق أن لا يكون لنا ملجأ إلا لدى من يعملون بوضوح، وعلى مرّ العقود المتتالية، في اتجاه مصالحهم التي لا تتلاقى بالضرورة، جزئياً أو كلياً، مع ما نراه، أو يمكن التلاقي معه، ولن نلتقي أبداً على حلول للأزمات الداخلية أو على مستوى القضية العربية المركزية، لوجود التأثيرات الكابحة للوصول إلى نهاية أطول صراع سياسي في العالم.
ربما يكون أسهل ما في الزيارات واللقاءات الرسمية، هو الذهاب إلى توقيع مذكرات التفاهم، فهي تعني لدى البعض إنجازاً للمهمة، ولدى البعض الآخر، يبدأ من لحظة التوقيع العمل الجاد لتحويل هذه اللقاءات بالأماني الطيبة، إلى واقع يتحقق.
البحرين اليوم ومعها دول مجلس التعاون في حاجة (حقيقية) لأن تؤمّن تشريع النوافذ المتنوعة، وتبادل المصالح، وبدء تطبيق ما يتماشى معنا من دروس النهضة التي حدثت في هذه البلدان، إذ من شأن هذه الجدّية أن تصلب الأعواد اللينة لشباب المنطقة حتى لا نواصل الفرار من الغرب إليه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .