العدد 2022
الإثنين 28 أبريل 2014
“فضفضة” ليست أكثر! غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 28 أبريل 2014

لا أدري على أي محمل يمكن للبعض أن يفهم الحديث النبوي الشريف “اختلاف أمتي رحمة”، ولكن من دون الاختلاف لا يمكننا أن نعيد فهم أنفسنا وفهم الآخرين. فالاختلاف يجعل عقلاء الناس يفكرون، أو يعيدون التفكير في الثوابت التي درج عليها الآخرون، ليروا ما الذي يمكن أن يتجدد في هذه الثوابت أو يتحرك حتى لا تبقى ثيراننا تدور في الساقية نفسها، أو في الطاحونة نفسها من دون أن تجد لها مساراً آخر.
هذا هو لبّ المسألة مع إيران، فما بيننا (كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية) وإيران ليس البحر المختلف على تسميته، الغارق في مشاكله، المكتظ بسفنه وبوارجه ونفطه وغازه، بل بيننا تاريخ طويل أكثره يصبّ في اتجاه التوتر وانحباس الثقة من التقدم إلى الأمام، ولكن تراجعها سهل جداً. بيننا وبين إيران قواسم وفوارق هي ذاتها القواسم والفوارق التي يمكن أن تكون بيننا وبين أي جار لنا ذات اليمين وذات الشمال.
ويمكننا تحديد الفوارق الرقمية التي تتيحها لنا المعطيات الناجزة أمامنا، فمساحة دول مجلس التعاون 2.4 مليون كيلومتر مربع، ومساحة إيران 1.6 مليون كيلومتر مربع. عدد سكان دول المجلس يصل إلى أكثر من نصف عدد سكان إيران بقليل، إذ يصل إلى 47 مليون نسمة مقابل حوالي 80 مليون نسمة. ولكن الناتج المحلي لدول التعاون يكاد يصل إلى ضعفي ناتج إيران المحلي، إذ هو 1.3 تريليون دولار للمجلس، مقابل 421 مليار دولار لإيران، ومع ذلك فإننا دائمو الشكوى من هذه الدولة التي لا تتفوق علينا إلا في عدد السكان، وهذه ميزة ونقيصة في آن معاً. نشكو من تدخلاتها، نشكو من تغلغلها، نشكو من إعلامها، نشكو من تمويلاتها، نشكو من برنامجها النووي، نشكو من تهديداتها، حتى أدمنّا الشكوى، وتطاول علينا الدهر بالبكائيات والتنهدات والحسرات من هذا الجاثم على أعتابنا.
في العهد الملكي القريب احتلت إيران جزراً ثلاثاً لنا، وهددت بضم أرخبيل البحرين إليها، وفي العهد الثوري، واصلت إيران الاحتلال، وتشاغبنا أحياناً بالقول بتبعية البحرين لها. فما أكثر ما نقول عن إيران، حتى تساوت لدى البعض منا في قوتها وسطوتها وحضورها وزعامتها، مع عدد من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، بل تفوق الكثير منها (كما يتوهم البعض، أو كما يحاولون إيهامنا).. فقد قلنا عن تواجدها في العراق، عن دعمها لسوريا، عن احتضانها لـ “حزب الله”، عن أقدامها في مصر، عن أصابعها في المغرب، عن تمويلها للحوثيين في اليمن، عن أنفها الذي تدسّه بين منظمة التحرير الفلسطينية وحماس في البيت الفلسطيني، عن اختراقاتها لدول افريقية، عن صفقاتها مع تركيا.
ومع الحصار المفروض رسمياً عليها من قبل بعض الدول الكبرى ومن لفّ لفها من الدول الأخرى ذات التأثير، وهو الحصار الذي ينفرج ويضيق، ويجري اختراقه مراراً، استطاعت إيران أن تصنّع السيارات المدنية، الجرارات الزراعية، والأقمار الصناعية، والدبابات، والصواريخ البالستية، والطائرات الحربية المقاتلة، والطائرات من دون طيار، وأن تواصل منذ العام 2005 برنامجها النووي، وتدخل من أجله في معارك سياسية ودبلوماسية واقتصادية كبرى مع دول العالم، وتعرف أنها تضغط لتحصل على الامتيازات، لذلك ظلّت تراوغ، تأخذ بالشمال وعوداً سبق أن أعطتها باليمين، وتدخل الجولة إثر الجولة، وما توصلت إليه أخيراً من اتفاق لن يصمد – في اعتقادي – طويلاً، إذ سرعان ما سيظهر في الأفق ما يكدّر صفوه، ويعكّر مزاجه، ويعود الموضوع إلى مربعه الأول. كل هذا والحديث عن دولة قد خرجت منهكة من الحرب بعد أن خسرت قرابة 200 مليار دولار بحساب الثمانينات من القرن العشرين، ومقتل ما لا يقل عن 730 ألف شخص، ووجود مليون و200 ألف مصاب من هذه الحرب، والإصابات هنا تعني ما تعنيه في صراع عسكري يعتبر الأطول في القرن العشرين، والأكثر دموية، ولم تنقصه إلا القنابل النووية... يا إلهي، هل نتحدث هنا عن دولة عظمى؟!
بالتأكيد لا، ولكن إيران إن نجحت في شيء مع دول مجلس التعاون، فإنها نجحت في جعل آليات التفكير الواقعة في غرب الخليج العربي منشغلة بردود الفعل، والتحصّن ضدها، والتفكير في الرد عليها، والاشتغال بأوراق العمل التي تنذر وتحذر من هذا الخطر الداهم، مرة مذهبياً، ومرة عرقياً، ومرة ثقافياً، ومرة حضارياً، ومرة سياسياً، ومرة اقتصادياً، والقائمة تطول، والرحى تدور، والطحين قليل. وهذا الأمر لم يكن ليصادف نجاحاً لو لم يجد الأرضية الخصبة هنا لكي ينجح عليها. ولو عدنا لتاريخ نكبة فلسطين سنجد أن واحداً من الأمور التي سرّعت ومهّدت لهذه النكبة هو التخويف المبالغ فيه من العرب للعرب عن البطش الإسرائيلي، وما حدث في “دير ياسين”، فقد كانت القصص التي أريد بها استنهاض حميّة العرب وغيرتهم ونخوتهم ليهبّوا دفاعاً عن القريات والبلدات التي كانت تتساقط، قد فعلت فعلها العكسي بأن خوّفت كل صاحب عيال على أسرته وأهله، فأخذهم وفرّ بهم بعيداً حتى لا يبقر الإسرائيليون بطون الحوامل، ولا يقتلوا الأطفال أمام ناظري أبويهم، وهذا ما أشك أنه واقع بالنسبة لنا مع جارنا الشرقي، فلا التهوين صحيح ولا التهويل كذلك، بل الأصح أننا صرفنا أوقاتنا وأعصابنا وأموالنا وأذهاننا وطاقتنا للتصدي لهذا “المدّ”، فلا نحن صددناه، ولا مددنا مكانه مدّاً آخر يوازيه، ولا صنّعنا سياراتنا ولا جراراتنا ولا صواريخنا ولا طائراتنا المدنية أو القتالية ولا أقمارنا أو شموسنا، بل درنا في سواقينا نفسها، لم نخرج منها، نكرر اليوم ما سبق أن قلناه بالأمس القريب من دون التقدم إلى الأمام بما يتناسب مع إمكانيات هذه المنطقة، فلا طبنا وقوينا وتماسكنا ونهضنا نزاحم الأمم ونبزّها تقدماً على مختلف الصعد، ولا غدا شر إيران.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .