وقعت عيني ذات مرة منذ زمن بعيد نسبياً على مقال، لا أذكر الآن أين قرأته، ولا من هو كاتبه، ولكنه كان صادراً عن كاتب عربي من ما يُسمّى بدول “المركز”، ينضح بخليط من المشاعر غير المرتاحة ولا المريحة إزاء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويأتي في المقال “لقد تعلمنا في المدرسة أن الخليج العربي جزء من الوطن العربي.. ولكن اليوم يبدو أن الوطن العربي صار جزءاً من الخليج العربي”!
وما هذا القول ببعيد عن مقال نشر في صحيفة محلية عربية في العام 2007، ينتقد فيه كاتبه تحوّل توقيت البرامج التلفزيونية في الفضائيات العربية إلى “الرياض” أو “دبي”، في تجاهل تام للعواصم العربية الكبرى، وكأنّ من يملك المال صار هو المقدَّم على غيره!
هذا الـ “ستيريو تايب” العربي الذي لا يني يلقي بكل فشله وإخفاقاته وإحباطاته ومشاكله على دول الخليج، لم يتغيّر منذ منتصف السبعينات (على حدّ علمي القاصر) وحتى اليوم، بل وزاد اليوم عمّا كان عليه بالأمس. إذ بالأمس كانت “أموال النفط” هي التي أنهكت البيئة، وهي التي أفسدت صناعة الأفلام العربية، وهي التي أضرّت بالحكومات العربية أيضاً، والسلسلة تطول لـ “جرائم” هذا الإقليم العائم على بحر من النفط لا يعرف كيف ينفقه. حتى أن هذا الـ “ستيريو تايب”، يقول، أو يكاد يقول المثل المصري الشعبي “يدّي الحلق للي ما لوهش ودان”، أو ما يشبه هذا المثل في أي مكان آخر، حيث إن الأموال تأتي إلى من لا يستحق، أما من يستحقون، وهم العاملون والمفكرون، وسدنة الثقافة، ومنابت الحضارة، فهم يعيشون في الفقر المدقع، ويعانون الأمرّين حتى يتمكنوا من نشر كتاب، أو توفير مال لشراء حذاء ينتعلونه.
وفي السنوات الأخيرة، زاد على ما تقدم من اتهامات ليصل إلى حيث تدخّل بعض دول المنظومة الخليجية في شؤون الغير، وإحداث الثورات، والضخ الإعلامي المتواصل في قضايا غير متفق عليها في بعض الدول العربية الكبرى، وأنها تحرّض بين الفئات والجماعات، وتستخدم نفوذها المالي والسياسي لفرض أجنداتها.. الخ.
إن هذا الذي يتردد من دون توانٍ وبلا انقطاع، وأحيانا من دون تفكير أو إعادة التفكير به، يعمل على عدة محاور، ومن أهمها أنه يقسّم البيت العربي إلى أصناف وأشقّاء متباغضين. فدول الخليج العربي، بالنسبة لبعض الشعوب العربية، “عومة.. مأكولة ومذمومة”، تُطالب بالدعم المالي والفني، وتعطي الدول الخليجية، ومع ذلك يُنسى ما تقدّمه، وتُهاجم من جديد، وكأن المطلوب من دول المنطقة أن تضع تحت تصرف الدول العربية الأخرى كل مقدّراتها المالية، وتقسّمها بالتساوي بين من يعمل ومن لا يعمل، ومن يشكر ومن لا يشكر، ومن يصطف معها ومن يناوئها، ومن يتحالف معها ومن يتحالف مع أعدائها، فأية جمعية خيرية هذه؟ هذا مع الإقرار الكامل بالحق العربي أولاً وثانياً وثالثاً، في أن تذهب الأموال العربية في الديار العربية كخيار استراتيجي، شريطة أن تكون هذه الدول العربية ملاذاً آمناً للاستثمارات الحكومية والفردية، لا أن تتنكر لها، كما حدث في إحدى الدول العربية التي تغيّر نظام الحكم فيها بعد ثورة، فألغت ما قامت به الحكومة السابقة، وأضرّت باستثمارات خليجية على اعتبار أنها أبرمت بشكل غير شرعي، فهل تلام الاستثمارات الخليجية أساساً إن بحثت لها عن أسواق لا فوضى فيها ولا نكوص ولا تبدّلات جوهرية، وتحترم حرية تنقل الأموال، والاتفاقات المبرمة حتى تتشجع وتشجّع غيرها على المضي قدما في الاستثمارات العربية البينية.
لن يكون هناك مفر، من أنه على المفكرين العرب بصفتهم القيادية، وأيضاً على الشعوب العربية، خصوصاً من “دول المركز”، أن يضعوا أرجلهم على أرضية الواقع. هذا الواقع الذي يقول إن الأيام قُلّب، وأنه ليست هناك زعامة وقيادة إلى الأبد، ولا هناك دولة، مهما عظمت وبلغت النهاية من أسباب المنعة، ظلّت هكذا منذ الأزمنة الغابرة، وحتى أبد الآبدين. والحظوة التي كانت لهذه الدول قد تلاشت وما هي اليوم إلا بقايا صور للماضي الذي درجنا على التغني به، سواء كان ماضي الخيل والليل، أو الماضي القريب حيث كنا نتلقى الهزائم العسكرية الواحدة بعد الأخرى، ولكننا نشعر بعزتنا وكرامتنا، أستغرب كيف يتم ذلك، ولكن هذا ما قد حصل على أية حال! فإذا كان يعزّ على بعض أقطاب “دول المركز” أن يروا هؤلاء البدو الأجلاف، الحفاة العراة، الذين كانوا يجهلون ذات يوم كيف يمسكون القلم، وقد صاروا اليوم المنعمين والمتفضلين. وإذا نظروا إلى أهل هذه المنطقة على أنهم أكياس نقود تمشي على قدمين. أو رأوا أن هذه المنطقة فيها من يسبب البلبلة والقلقلة في بلدانهم؛ فعليهم أن يتأسّوا ببريطانيا، التي لا تزال تسمي نفسها “العظمى”، حتى مع زوال عظمتها عنها، وانحسار مستعمراتها التي كانت حتى منتصف القرن الماضي، لا تغيب عنها الشمس. وكيف ابتلع البريطانيون “الموس” بالعرض بعد الحرب العالمية الثانية، ورضوا بأن يكونوا مجرد ظل للولايات المتحدة، وأن يعاودوا ترتيب أجنداتهم، ويشمّروا عن ساعد الجدّ، بدلاً من التباكي على ما مضى، وضرب الأكف بالأكف تحسراً على ذلك الزمان الذي لن يعود.
لقد أدّت “دول المركز” دوراً مهماً وحيوياً في القرن الماضي تحديداً في قيادة الوطن العربي، وانتقل الثقل، شاءت هذه الدول أو لم تشأ، أحبّت أم كرهت؛ إلى دول مجلس التعاون. وليس من سبيل الآن أمامها إلا أن تدرك هذه الحقيقة بشكل عميق، خال من التعالي والنظر بدونيّة لدول الخليج العربي، وذلك حتى يمكنها أن تبدأ من جديد بوضع يدها على أصول مشاكلها، وتعمل على حلها ذاتياً، وتمد يد التكامل، وليست اليد السفلى، لشعوب وحكومات هذه المنطقة، لإنهاء هذه الجفوة التي طال أمدها، وأضرّت كثيراً بهذه الأمة.